كانت الحاضنات آلية عملية من أجل دعم المنشآت الصغيرة للنمو في مجال أعمالها، بدأت أولاها في الولايات المتحدة في منتصف القرن الماضي إلى أن باتت تنتشر في جميع أنحاء العالم حيث يقدر عددها الحالي بما يتجاوز (7) آلاف حاضنة، بدأت بالأساس تجاريا ثم أخذت تكرس دورها فنيا وتقنيا في عدد من المجالات. وأطلقت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية برنامج (بادر) لحاضنات التقنية والتي تسعى من خلاله إلى تحفيز المتاجرة التقنية وتفعيلها بادئة بحاضنة تقنية المعلومات والاتصالات، في مقر المدينة الرئيس، مع خطة لإنشاء عدد آخر من الحاضنات التقنية في مقرها، وفي الجامعات السعودية ودعمها من قبل المدينة ماليا وفنيا وتقنيا لنقل التقنية من المختبرات والمعامل إلى السوق السعودية ثم الخارج.
تستهدف المدينة من وراء الحاضنات تكريس المعرفة والمهارة التقنية من خلال التوعية بأهمية الريادة التقنية والمساعدة على تطوير الابتكارات والإبداعات عبر ورش العمل والدورات التدريبية، وبعد اجتياز مرحلة التقييم والدراسات وأبحاث التسويق الهادفة لاستكشاف مدى توافر الفرص التجارية وحجم الطلب، حيث يتم بعد ذلك تطوير النماذج التجارية والمساعدة على الحصول على التمويل للملتحقين بالحاضنة مع الاستمرار في دعم عمليات المنشأ، للتطور والنماء وفق منهجية الحاضنة للريادة.
تتيح المدينة للجميع، رجالا ونساء، الالتحاق ببرنامج بادر للحاضنات طوال العام من خلال موقع “بادر” على الإنترنت الذي يحتوي على نموذج للتسجيل ويشرح الفكرة بالتفصيل، بعد ذلك يتم التواصل مع مقدم الطلب بنتائج التقييم، الأمر الذي يعرف من خلاله الجميع مدى توافق عطاءاتهم وانطباقها مع الشروط، حيث تتم دعوة أصحاب المشاريع المتسقة مع برنامج بادر لمقابلة المستشارين والموظفين المعنيين بمتابعة مشاريع الملتحقين بهذا البرنامج للتباحث بشأن المنشأة وخطوات المشروع وكيفية تنفيذه وتطويره.. ذلك كله في النهاية يخضع لاتفاق يتم بين البرنامج والملتحق بالحاضنة مما ينظم أسلوب العمل والاستفادة من خدمات الحاضنة، مع ضمان سرية المعلومات لجميع الأطراف.
إن برنامج (بادر) يسعى من خلال الحاضنة إلى تقييم: الجدوى التجارية للمنشأة أو المشروع وكذلك إمكانية النمو السريع وخلق وظائف، إضافة إلى الجدوى التقنية ودرجة الإبداع والمؤهلات والخبرة التجارية والتقنية والعمل بنصائح موظفي ومرشدي الحاضنة وهذه المعايير تخضع بدورها لمؤشرات مثل: مستوى تطوير الملكية الفكرية، وضع المنشأة المحتضنة في السوق، الوضع المالي الذي يشمل قيمة الدخل، التدفق النقدي والربحية، إضافة إلى مؤشرات أخرى مثل: مستوى استغلال المواد المقدمة والمتاحة للحاضنة، مستوى جودة تأدية الأعمال الإدارية، تكامل ونضج البناء المؤسسي لدى المنشأة المحتضنة وكذلك الآثار الاقتصادية والاجتماعية لنشاط المنشأة ومنتجاتها وخدماتها.
ومع أن مدينة الملك عبد العزيز تقف وراء برنامج بادر للحاضنات وتدعمه ماليا وفنيا وتقنيا إلا أن ثمة مؤسسات تسهم في هذا البرنامج، أهمها: الغرفة التجارية في الرياض، جمعية هندسة الاتصالات السعودية، جمعية الحاسبات السعودية وجمعية المخترعين السعوديين.
إن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية تحاول من خلال هذا البرنامج الطموح (بادر لحاضنات التقنية) وبرامج أخرى تجسير المسافة بينها وبين قطاع الأعمال الوطني في منشآته الخاصة بأحجامها المختلفة وتفعيل المسؤولية الاجتماعية للمدينة وتعميق وتوسيع دورها في نقل العلوم والتقنيات الحديثة من حيزها التجريبي والمخبري إلى ساحة التطبيق والتنفيذ سعيا لردم الهوة التقنية من ناحية ودفعا لحراك النشاط الاستثماري وإكساب اقتصادنا الوطني ميزته التنافسية وتعزيز هويته ورسوخه، فضلا عن قوته واستدامة نموه وتقدمه.
ربما لا تسفر الأيام القريبة عن مخرجات عملية لهذا البرنامج، إذ إنه يتطلب بعض الوقت نظرا لأنه عملا بطبيعته يحتاج إلى مراحل نمو تبدأ من النظري (الفكرة، الإعداد، التخطيط، الاختيار ... إلخ)، وتنتهي إلى العملي، لكن يبقى دور الحاضنات حاسما في التسريع المأمون الناجح، وهو ما يعني أن تأخذ كل منشأة ما تحتاج إليه من وقت يختلف باختلاف نوعها ومهامها.. لكننا بالتأكيد نأمل خيرا كثيرا من هذا البرنامج ومن برامج أخرى طموحة تدخرها لخير بلادنا مدينة الملك عبد العزيز.
