تعد الطفولة مرحلة مهمة جدا من بين المراحل العمرية المختلفة, حتى وإن اعتبرنا أن لكل مرحلة أهميتها, إلا أن الطفولة تتميز بأنها مرحلة أساسية في عملية البناء وتثبيت مفاهيم الشخصية مقابل مقاومة بسيطة ورفض لا يذكر من الطفل على أي توجيه من الوالدين أو الأسرة أو المربين من حوله. وهذا يعني أنه إذا كانت البيئة المحيطة بالطفل فعلا مشبعة ومقنعة لنفسيته فإن غرس مفاهيم إيجابية سيكون سهلا جدا وستكون العملية التربوية غاية في الفعالية.
إن دراسات نفسية عديدة أثبتت أن اهتزاز شخصية الطفل إنما يصدر من أحد نمطين تربويين النمط الأول يتعلق بأسلوب تربوي يعتمد على التدليل, أما النمط الآخر فهو يعتمد على الإهمال ومع الأسف فإن كلا النمطين يوصل الطفل في النهاية إلى نقص الاتصال الضمني المعلوماتي الذي ينمي الفكر والمنطق المعاصر للطفل بمفهومه الإيجابي, فنحن لم نعد نقف أمام مفهوم براءة الطفولة, لأن هذا المفهوم قد تلاشى بل ربما انعدم في بعض الأسر بسبب سوء التربية من جانب، ومن جانب آخر بسبب اكتساح وسائل التقنية التي أصبحت تضع الطفل أمام صور وأنماط وموضوعات تنشله إلى مراحل أكبر ولكن بصورة سلبية بحتة يدفعها أولا وأخيرا حب الفضول للطفل, أي أن عجز الأسرة إيجابيا يحشو مخ الطفل بأشياء سلبية تدور حوله. مع الأسف ما زلنا لم نستوعب فكرة التفاهم مع الطفل أو المراهق أي أن عتبة التفاهم في عدد غير بسيط من الأسر لا تبدأ قبل 20 عاما، حيث يستوعب الأهل أن ابنهم قد كبر وبذلك تكون قد مرت مراحل عمرية تعطل فيها الكثير من الغرس والبناء. إن الطفل لم يعد يقتنع بالرسوم المتحركة التي كانت تبث قبل عشر سنوات بل ينظر إليها بنوع من السخف والتفاهة والسطحية بمعنى أنه ينتظر أن تشبع أفلام الكبار عنده ما يكونه واقعه من علامات استفهام لم يقتنع الأهل أن يجيبوا عليها بحجة عمره الصغير. حتى عندما نعلم أطفالنا الشعور بالمسؤولية نحن لا نعلمهم ذلك عمدا بل تحصيل حاصل لنوع من التخلي عنهم أو الإهمال الأمر الذي يجعلهم تلقائيا يخدمون أنفسهم. أعتقد أن الأمر مختلف تماما ولا بد من أن ننظر كأسر في مخاطبة عقل الطفل دون حصره في كلمة (بطل) أو (شاطر) أي أن نستخدم معه لغة التعزيز المستخدمة مع الكبار مثل الاستماع له بإمعان والإيماءات الدالة إيجابيا وغيرها ـ ولعل أحد أهم الموضوعات التي ستشعر الطفل بفكره الواعي هو مسؤولية توعية الطفل اقتصاديا وتثقيفه من هذا الجانب المهم جدا والذي يصنع منه في المستقبل فكرا عمليا وربما يبدأ ذلك من أبسط ما يستخدمه الطفل كإهدار الماء عند فتح الصنبور بمعنى أهمية إشعاره وإخباره بسلبيات ذلك على الجانب الاقتصادي الأسري وليس فقط استعمال أسلوب النهي أو كلمة (حرام) دون تقديم المبرر وهذا الذي يحدث في كثير من الأسر، بل حتى في الذهاب إلى السوق أحيانا قد نشاهد أطفال في عمر سبع أو ثماني سنوات يبدون ردود أفعال أقل من أعمارهم بكثير لمجرد أن يمتنع الأب عن شراء لعبة معينة له! أشياء كثيرة ربما نعتبرها عادية ونبرر ذلك بالطفولة ولكن تلك التصرفات السطحية من الطفل تنم عن عقلية تظل فارغة تربويا، فلا بد أن نعلم الطفل كيف يتحكم في مصروفه بإتقان حتى وإن كان بسيطا ولا بد أيضا أن نبني شيئا مهما يدعم الفكرة الاقتصادية للطفل ألا وهو نظرية وجود الحاجة مقابل الإقدام على شراء سلعة ما. وهذه من الأشياء التي تشعر أطفالنا بأهمية ما يمتلكون من أغراضهم الطفولية الخاصة بل إن هناك ما يحتوى هذا كله وهو أهمية تعليم الطفل الابتعاد عن عملية الهدر الاقتصادي بأسلوب رمزي نستطيع فعلا إيصاله إلى الطفل.

