من الاطلاع على بعض أدبيات ومنشورات مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني, سأناقش الحوار الوطني كمفهوم ساد خلال ست سنوات منذ إطلاقه عام 1424هـ والمنهج الذي اختطه والمفاهيم التي يجب أن يقوم عليها الحوار الوطني كحركة تنويرية في المجتمع السعودي تهدف إلى بناء اللحمة الوطنية. لذا سأفترض أن جميع المنشورات والأدبيات التي تبنى المركز نشرها مطبوعة أو عرضها في موقعه الإلكتروني على الإنترنت معبرة ومتفقة مع وجهة النظر التي يعتمدها المركز.
ذكرت في مقالي السابق أن المركز لا يعتمد رؤية واضحة, وهنا أصحح أنني وجدت ضمن أدبيات المركز نصا معنونا بالرؤية ومنطوقه «مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني هيئة وطنية تعمل على نشر ثقافة الحوار وتجسيدها سلوكاً عاماً للفرد والأسرة والمجتمع يعكس الالتزام والاعتزاز بالدين الحنيف ويعزز مفهوم وقيم المواطنة الصالحة وأمن الوطن ووحدته», هذه في نظري ليست عبارة رؤية جيدة فهي أشبه بعبارة الرسالة ثم إنها تحتوي على عبارات غير معرفة لدى المركز بتعريف محدد مثل الحوار, الالتزام والاعتزاز بالدين, ومفهوم قيم المواطنة. لذا أجدد موقفي من أن المركز في حاجة إلى صياغة رؤية محددة المعاني والتعابير, ثم إنه يبدو أن للمركز أكثر من عبارة تعبر عن رسالته وجدتها بصيغ مختلفة في أدبياته, ما يحتم توحيدها بصيغة واحدة ومعبرة بوضوح عن حاجتنا إلى مركز الحوار الوطني. الشيء الجديد الذي وجدته أيضا ضمن أدبيات المركز هو تعبير فلسفة المركز ونصه «يعد مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني هيئة مستقلة, فلسفته الحيادية التامة بين فئات المجتمع المختلفة ثقافيا وفكرياً» وفي رأيي أن هذا يمثل جزءا من الرؤية ولكن هناك ملاحظة في تعريف مفهوم الحيادية التامة, وحصر فئات المجتمع الثقافية والفكرية, وإلا سيكون ادعاء المركز غير حقيقي إذا بين أحد أو جماعة أنهم غير مشمولين بهذه الحيادية.
من قراءة توصيات اللقاءات التي تضمنت الحوار الوطني, يبدو أن الحوار الوطني تشتت في التفاصيل, وهو ما يظن أنه هروب من مواجهة الخلافات التي تباينت في كل لقاء, فالتوصيات عامة وغير عملية, ومثال ذلك التوصية الثانية في اللقاء الأول للحوار الوطني «إدراك أن الاختلاف والتنوع الفكري وتعدد المذاهب واقع مشاهد في حياتنا, وطبيعة من طبائع البشر يستثمر في التأسيس نحو استراتيجية التعامل في الدعوة والنصح والحوار, وتوجيهه الوجهة السليمة التي تخدم أهداف المملكة وثوابتها وقيمها الشرعية». هذه العبارة بترت من خطاب خادم الحرمين الشريفين الموجه للقاء الأول حيث بين ــ حفظه الله ــ قاعدة مهمة في الحوار, فصيغة في صورة توصية من الصعب فهم فحواها! فكل ما قيل في هذه العبارة هو إدراك لواقع قائم وطبيعة بشرية, وغموض في كيفية استثمار الإدراك في وضع استراتيجية الدعوة والنصح .. ومن ينصح من؟ أو يدعو من؟ وما علاقة النصح والدعوة بالحوار؟ ثم ما المطلوب توجيهه الحوار أو الإدراك؟ ثم ما أهداف المملكة, وهل هي مكتوبة ومعلنة؟ هذه العبارة مثال على كثير من التوصيات التي تمثل سباحة ضحلة في بحر همومنا وهروبا من مواجهة حقيقة أن الحوار ليس موضوع أو مضمون الحوار, هو أسلوب وسلوك وتفعيل للقيم السامية التي ورد ذكرها في خطاب خادم الحرمين المشار إليه آنفاً وهي الوحدة الوطنية , سد ثغرات الخلافات المؤدية للاختراق من الأعداء. مكافحة العصبيات والنعرات والغلو والتطرف وقبول حقيقة التنوع الفكري والمذهبي دون صراع بين التوجهات المختلفة.
في أحد منشورات مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني المعنون (قواعد الحوار الفعال - لكاتبيه عبد الله بن عمر الصقهان ومحمد بن عبد الله الشويعر) جاء في تعريفهما للحوار اصطلاحاً «هو نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين, يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما عن الآخر, ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب, ومثال ذلك ما يكون بين صديقين في دراسة أو زميلين في عمل أو مجموعة في ناد أو مجلس» ثم يوردان مترادفات سائدة بين الناس تشمل الجدل, المناظرة, المحاجة, والمناقشة وهذا يدل على ضياع المعنى المراد من الحوار لدى الناس, فهل هذه المترادفات هي ما يحمله المتحاورون عندما يلجون قاعات تلك اللقاءات وإذا كان المقصود غير ذلك, فما يضمن دقة مفاهيمهم للحور المطلوب؟ والحقيقة أن التفسير الذي يورده الكاتبان الكريمان فيما بعد لتوضيح أهمية الحوار وأهدافه يتضح في عبارتهما التالية «للحوار أهمية كبيرة, والهدف منه إقامة الحجة ودفع الشبهة والفساد من القول والرأي, فهو تعاون بين المتحاورين على معرفة الحقيقة والتوصل إليها, ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق», وهو قول منسوب للشيح الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد, وقولي هنا: إذا كان هذا تعريف الحوار, فكيف تكون الخصومة؟ أليس التعريف السابق صالحا للخصومة أيضا, ثم يسهب الكاتبان في تعديد أهداف الحوار ومنها: إيجاد حل وسط يرضي الأطراف, القضاء على الخلافات المذهبية في المجتمع عن طريق الحوار, هل هذه أهداف حوار أم أهداف إلزام وقسر؟ إن هذا المنشور يوضح بجلاء تشتت مفهوم الحوار بين المتحاورين وبين الكتاب في موضوع الحوار وبالتالي ضبابية الصورة التي ينتهجها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.
إن الحوار الوطني المطلوب هو ذلك الذي ينطلق من الدعوة المباركة لخادم الحرمين الشريفين الذي يحقق بناء اللحمة الوطنية وهو تلك العملية التي يدخلها المتحاورون ليس بنية إخضاع الآخر لفكره وتقمص دور الدعوة أو النصح وإثبات خطأ الآخر, بل هي العملية التي يدخلها المتحاورون بقصد إيجاد الأرضية المشتركة لفهم الآخر وبناء الجسور الرابطة بينهم والاتفاق على البقاء مختلفين ضمن تلك الأطر ودون أن يتعدى أحدهم على الآخر, لذا لا بد للحوار الوطني أن يتناول في بداياته الاتفاق على تلك الأطر التي تضمن حق الاختلاف دون القلق على المصير, ومن أهم هذه الأطر حصر التنوع الفكري والمذهبي وإعلانه كمكون للمجتمع السعودي ثم اعتماد الحرية في التعبير والممارسة, حماية التنوع من تعديات المتطرفين وتجريمها, اعتماد منهجية للحوار. كل هذه التعابير في حاجة إلى توضيح وتفسير لتحدد مضامينها حتى لا يساء فهم أي منها بصورة تخرج الحوار من إطاره.
أكاد أجزم أن الحوار الوطني غادر مسألة مهمة بتوصيات مبهمة إلى مسألة تفصيلية وحياتية دون أن يؤسس الأطر والمنهج بصورة فاعلة تجعل من الحوار الوطني أداة بناء لمجتمع متماسك متلاحم موال بعضه لبعض لا تتخلله مكائد الأعداء, وكل ذلك ناتج عن عدم وضوح مفهوم الحوار لدى المتحاورين وما إذا كان ملزما بالضرورة إلى نتيجة حاسمة للخلاف أم هو شكل من أشكال الاتفاق على الاختلاف ضمن أطر محددة تنظم الاختلاف بحيث لا يؤثر في المعايشة المنتجة والمحققة للسعادة بين المتباينين.
