امتدح اثنان من الأصدقاء سهولة تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة بعد أن قررا تأسيسها لاستثمار خبراتهما المهنية كرأسمال بشري, فبعد أن استأجرا المكتب المناسب وحصلا على موافقة الجهات المعنية بممارسة المهنة لم يمر أكثر من ثلاثة أيام وبتكلفة تصل إلى نحو خمسة آلاف و500 ريال حصلا على الترخيص اللازم من المكتب الموحد للتسجيل التجاري مؤكدين أنهما لمسا تحسن المناخ الاستثماري في بلادنا بعد أن كان مبلغ نصف مليون ريال عائقا كبيرا أمامهما لتأسيس مثل هذه الشركة، إضافة لتعدد الإجراءات وطول وقتها.
وأقول هذا ليؤكد أن تقدم بلادنا في مؤشر بدء النشاط التجاري من المركز (28) إلى المركز (13) في تقرير أداء الأعمال الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية لعام 2010م هو تقدم حقيقي على أرض الواقع بات يلمسه المستثمرون نتيجة التطويرات التي أجرتها وزارة التجارة، حيث خفضت بإنشائها للمكتب الموحد للتسجيل التجاري الإجراءات من سبعة إلى أربعة إجراءات فقط، وقللت الوقت اللازم لبدء المشروع أو النشاط التجاري من 12 يوما إلى خمسة أيام في المتوسط، وخفضت تكاليف تأسيس الشركات ذات المسؤولية المحدودة إلى خمسة آلاف و500 ريال بعد أن كانت سابقا 500 ألف ريال.
على الجانب الآخر, يعاني زملاء لي كثر من عدم توافر مساكن ملائمة لهم من حيث الجودة وتعاظم القيمة بمرور الزمن تصلح كضمانات لتمويل طويل الأجل يصل لأكثر من 20 سنة، كما تصلح للسكن الهادئ في حي متكامل الخدمات مطور بالكامل من قبل شركات عقارية مطورة محترفة, وذلك لندرة ما تطرحه الشركات العقارية المطورة المحترفة من مساكن مقابل كثرة ما يطرحه المطورون الأفراد من مساكن تتهالك بسرعة كبيرة، فضلا عما تثقل به كاهل مشتريها بتكاليف الصيانة المستمرة نتيجة لاستخدام مواد جذابة أكثر من كونها مواد جيدة ونتيجة بنائها من قبل عمالة غير ماهرة دون إشراف هندسي بهدف تحقيق أعلى هامش ربح ممكن.
القائمون على الشركات العقارية, ودون استثناء, أعلنوا مئات المرات أن شح آليات تمويل المشاريع العقارية وتمويل المشترين تمثل العقبة الأكبر أمام التطوير المؤسساتي الشامل القادر على توفير مساكن بكميات كبيرة ومتنوعة عالية الجودة متعاظمة القيمة بمرور الزمن تصلح كضمانات طويلة الأجل وهو ما أدى إلى ندرة التطوير المؤسساتي وسيادة التطوير الفردي، وشح آليات التمويل. والنداءات المتكررة من المستثمرين في القطاع العقاري تؤكد مصداقية مؤشر الحصول علي الائتمان الذي تراجعت فيه بلادنا من المركز الـ (59) إلى المركز (61).
إذن نحن أمام مؤشرين: الأول وهو مؤشر بدء النشاط التجاري الذي حققنا تقدما رائعا فيه أثبتت دقته مضاعفة معدل تأسيس الشركات عنه في العام الماضي إلى ما يزيد على ألف شركة حصل ما يزيد على 85 في المائة منهم على الترخيص التجاري في أقل من 48 ساعة، والثاني وهو مؤشر الحصول على الائتمان تراجعت فيه بلادنا رغم أنها في مركز غير متقدم أساسا أثبتت دقته الأصوات التي تنادي بضرورة معالجة الشح في آليات تمويل القطاع العقاري الذي يراه الكثير التحدي الأكبر أمام القطاع العقاري السعودي الذي يعوقه من أن يلعب الدور المنتظر منه في تحقيق الأهداف التنموية المستدامة من خلال تمكين المواطن من الاستقرار في مسكن يملكه.
نظام الرهن العقاري الحاضر في وسائلنا الإعلامية والغائب عن أرض الواقع والذي وعدنا وزير المالية أن يقر ويطبق نهاية هذا العام أصبح كالعنقاء التي نسمع بها ولا نراها ولا نسمع إلا تبريرات متكررة لعدم صدوره وتطبيقه رغم أن الأزمة الإسكانية تتفاقم (معدل التضخم في القطاع العقاري 10 في المائة سنويا) ولا حل في الأفق خارج السوق العقارية التي يجب أن نعزز قوة عناصرها لتصبح قادرة على الإنتاج والاستهلاك بشكل متوازن في دورات مالية متتالية كما هو الوضع في الدول المتقدمة التي استطاعت أسواقها العقارية أن تلبي الطلب بأسعار متناولة.
أمر محزن للغاية أن نستمر في تبديد ثروات المواطنين وثروات بلادنا بالمحصلة في إيجارات تذهب إلى غير رجعة وفي مساكن تتهالك بمرور الزمن ما يتطلب مليارات الريالات لإعادة إعمارها من جديد كما هو حال معظم أحياء وسط الرياض القديم. ومن يريد أن يعرف معنى تعاظم وتهالك القيمة يذهب إلى لندن ليرى مساكن شيدت منذ الحرب العالمية الأولى ما زالت تتعاظم قيمتها وتصلح كضمانات آمنة لعمليات التمويل العقاري طويل الأجل.
بلادنا تسعى لتحسين المناخ الاستثماري لتوطين الاستثمارات المحلية ولجذب الاستثمارات الأجنبية لتعزيز قوة أسواقنا بما يجعلها قادرة على المساهمة في توسيع القاعدة الإنتاجية وتوفير السلع والخدمات الجيدة والمستدامة والمتناولة خصوصا في القطاعات الاستراتيجية كالتعليم والصحة والإسكان والطاقة وغيرها. ولا شك أن القطاع العقاري من أكبر القطاعات التي تستطيع أن توطن ثروات المواطنين السعوديين وتفعّل دورها في التنمية كما يستطيع أن يجذب استثمارات أجنبية بالمليارات دون أدنى شروط. ولا شك أن مؤشر أداء الأعمال أصبح البوصلة التي يهتدي بها المستثمرون عالميا، وعلينا أن نضرب عصفورين بحجر بإقرار وتطبيق نظام الرهن العقاري، الأول التقدم في مؤشر التنافسية لتحقيق هدفنا الوطني بالوصول إلى المركز العاشر عام 2010م، والآخر توفير المسكن الملائم للمواطنين في مقتبل العمر بضمان دخولهم الشهرية والأصول العقارية المرهونة والمتعاظمة القيمة.
