أشغلتني يا السحيمي بالمناظرة عن الرهن العقاري. في صحيفة «الوطن» وفي مقال بعنوان «ناظروا حمزة السالم أو ناظروه» طالب أستاذنا الكريم محمد السحيمي أهل العلم المتمكنين بمناظرة أطروحاتي حول عدم ربوية الفلوس المعاصرة لكي يتبين للناس أمر دينهم فيفلحوا في دنياهم وأخراهم. وأقول للحبيب السحيمي إنه لا يوجد ما يختلف أهل العلم الراسخون معي فيه لكي يناظروني عليه. فبغض النظر عن فتاوى أهل العلم المخالفة، فإنه لا يختلف أحد منهم في صحة ما أطرحه من الناحية الشرعية سواء في الفصل والتمييز بين القرض والتمويل أو في ربوية الفلوس المعاصرة, فأطروحاتي تستند إلى صريح الكتاب والسنة وتخريج السلف والخلف الذي يحكي شبه الإجماع على بطلان القول بربوية الفلوس المعاصرة. وأنا في هذه النقطة لم آت بجديد بل هو تجميع وتنسيق ومقابلة لما قد ذكره أهل العلم الراسخون في كتبهم ولكنهم أفتوا بخلافه من باب الأخذ بالأحوط. ومن ثم، ومع الزمن، تداخلت على الناس وعلى طلبة العلم - كبارهم وصغارهم - الأمور واختلطت حتى أصبح الجهل علما يتعبدون الله بنشره بين الناس. الجديد الذي أطرحه هو أن الحيثيات والمعطيات التي قامت عليها الفتوى منذ 40 عاما قد زالت وأن مبدأ الاحتياط وسد الذرائع الذي هو عماد الفتوى القديمة قد انقلب على نفسه بسبب تغير النظام الاقتصادي المالي والحقيقي جملة وتفصيلا.
ولا يتصور أحد ألا يتصدى كبار أهل العلم الفضلاء لتفنيد ما أطرحه لو أنه كان مخالفا لشرع الله ــ وحاشاهم ذلك ــ فأهل العلم يدركون أن ما أقوله هو الأقرب إلى شرع الله, وأن المشهور الآن بين الناس هو الأقرب للاحتياط (قديما). ويعلمون كذلك أن القول المشهور الآن هو قول غير منضبط في التأصيل وشاذ عند السلف وما أطرحه هو قول شاذ الآن ولكنه هو القول المنضبط تأصيلا والمشهور عند السلف، وهل كانت أقوال ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب إلا أقوالا شاذة في مجتمعاتهم. وأعلم يا أستاذنا السحيمي أن أول ما غرسه فينا علماؤنا ــ رحمهم الله ــ ألا نعتبر قول أحدهم إذا بانت مخالفته لصريح الكتاب والسنة وخرج فهمه واستنباطه عن منهج السلف في الفهم والاستنباط، فهم بشر والبشر يخطئ ويصيب وتختلف أفهامهم وتصوراتهم ولا يعيبهم ذلك.
المشكلة يا أخي محمد أعمق من رأي فقهي يُرجع عنه أو بحث مسألة فيها قولان, فبحث المسألة عند عامة الناس سيفتح عقولهم على أمور أخرى أبعد من أن هذه المسألة - على الأقل - فيها قولان، هذا إن لم تنقلب الموازين فيصبح أهل الرأي القديم يبحثون عن موضع شرعي أو عقلي يستندون إليه فلا يجدون. إن أقوى مستند يستند إليه المخالفون في هذه المسألة هو جهل الناس والخلط الذي هم واقعون فيه، وأهل العلم يمنعهم ورعهم وتقواهم وعلمهم من إنكار الحق. فأي مناظرة ستلزم المُناظر من الإقرار بكل ما جئت به من المعطيات والحيثيات الشرعية ولا يملك إلا الاختلاف معي في النتيجة. وأي مستمع لمناظرة علمية مثل هذه سيدرك أن القول المشهور الآن ضعيف عند تأصيله على أصول الفقه شاذ في أقوال السلف ولا يقويه إلا الاحتياط والاحتجاج بالرأي المحض الذي قد بان خطأه وانتهت صلاحيته. يا السحيمي إن أهل العلم عندنا هم أبعد الناس عن الاختلاف معي في هذه المسألة لأن تأصيلي لها قائم على المنهج السلفي نفسه الذي أرضعوني إياه, والذي ندين الله به، هم وأنا.
يا حبيبي السحيمي نحن بين أمرين, إما أن نستدرك الأمر الآن ونعيد بحث المسألة بعد أن استجد فيها ما استجد من متغيرات، وإما أن نتجاهلها حتى تُهجر الفتوى تدريجيا كما هو قد بدأ الآن فعلا. العمل في البنوك أصبح شرفا، والقروض أصبحت ثقافة، والناس أصبحت تتحدث عن الفوائد كحقيقة بعد أن كان مجرد لفظها تقشعر له الجلود. و ما هي إلا سنوات حتى تصبح الفتوى مهجورة،. ولكن المصيبة أن الدين سيهجر معها, فأين أهل الفكر والنظرة البعيدة من العلماء؟ إن مسألة إعادة البحث في مسألة ربوية الفلوس المعاصرة أمر لم يستلزمه فقط تغير الاقتصاد المالي والحقيقي بل إن من أهم مستلزماته ظهور ما يسمى الصيرفة الإسلامية التي ستصبح فتنة المسلمين في الأجيال القادمة، وأقصد بالفتنة أي الفتنة في الدين بالشك والاستهزاء. ألم تر أن بعض الجهات المعادية للدين التي بنت أيديولوجيتها على هدم الدين هي أكثر من يروج للصيرفة الإسلامية؟ هذه الجهات لها فكر استراتيجي بعيد وليس سطحيا بسيطا ككثير منا. المصرفية الإسلامية هي التي أدخلت المسلمين إلى عالم المال والأعمال (وهذه حسنتها الوحيدة عندي). وازداد عدد الناس الذين لا يبالون، فهم يدينون الله بالربا ويتعاطونه أو يحتالون عليه. يا حبيبي, الجيل القادم سيتعامل مع ثقافة الائتمان بكثرة وستدخل في كل معاملاته وستصبح من يومياته وسيفهم كثيرا من آلياتها, وسيعتقد أن الدين خرافة وأساطير وحيل بسبب ما تمارسه الصيرفة الإسلامية. الجيل القادم ــ إن لم نصحح المفاهيم اليوم ــ سيعتقد أن قواعد الدين غير قادرة على اللحاق بالطفرات الاقتصادية إلا عن طريق الحيل فسيصبح الدين عنده حينئذ من التراث كما أصبح عند الغرب. ولن يدري هذا الجيل أن فقه الاحتياط هو الذي قد نشر الجهل بين المسلمين حتى أصبح دينا. والرجوع حينها وقد فات الفوت لا فائدة منه. يا السحيمي لا تزال حكايا أفغانستان رطبة تحكي قصر النظر عند كثير من الإسلاميين الذي استغله وروج له أعداء الإسلام فحققوا أهدافهم وأدخلونا في دوامة, الله أعلم متى سنظهر منها.
يا حبيبي, ليست المشكلة في العلماء. فقولي لا ينكر عالم صادق بأنه - على أقل أحواله - قول معتبر وقوي وإن لم يتفق معه. المشكلة في عامة الناس, فمن يُفهم الناس. الجاهل عدو نفسه, وهذا مصداق قوله ــ عليه الصلاة والسلام ــ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. الناس وإن ظهر عليهم الصلاح فهم لا يفهمون معنى الربوبية. فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله سواء اتفق مع رأيه وهواه أم لم يتفق, وسواء أقال به شيخه أم لم يقل به «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله». الناس يا السحيمي لا تقبل من يخبرهم بالكتاب والسنة بأن الله لم يحرم هذا بينما يقبلون أن يحتالوا عليه أو أن يعصوا الله فيه. الاقتصاد الحديث بمتغيراته التي لا يفهمها إلا قليل من الاقتصاديين هي من آيات علم الله للغيب. فمن فهم الاقتصاد الحديث ومتداخلاته وتغيراته وفهم شرع الله، علم أن هذا الدين لا يمكن أن يكون إلا من عند الله. فمن آيات الله أن وضع أحكام الربا والبيوع بهذه الصورة الإعجازية فتماشت مع من قبلنا ومع عصرنا (لو أننا فقهنا). فأحكام الربا والبيوع في الإسلام لهي من الإعجاز العلمي, ولكن أين من يفهم هذا. المعاملات في الإسلام يجب أن تتماشى مع مصالح المسلمين الدنيوية, وهي بذلك قد تختلف عن العبادات, وكلاهما (أي العبادات والمعاملات) تعتبر فيهما النوايا والمقاصد والغايات. يا السحيمي أنت ذكي زكي فتأمل واقرأ بروية وتمعن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فصل في قواعد متعلقة بالعقود المالية، قال شيخ الإسلام «وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة، وإما أن يحتال، وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم، فما رأينا أحدا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل، ولا يمكنه ذلك ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها، فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون إليه، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها وإنما هي من جنس اللعب. ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل، فوجدته أحد شيئين : إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل، فلم تزدهم الحيل إلا بلاء، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، كما قال تعالى: «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم»، وهذا الذنب ذنب عملي. وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل. وهذا من خطأ الاجتهاد ، وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له، وأدى ما وجب عليه؛ فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبداً؛ فإنه ــ سبحانه ــ لم يجعل علينا في الدين من حرج، وإنما بعث نبينا ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالحنيفية السمحة, فالسبب الأول: هو الظلم والسبب الثاني: هو عدم العلم, والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا)» انتهى كلامه. فنحن ندخل في القسم الثاني الذي هو خطأ الاجتهاد الناتج عن المبالغة في التشديد، فاطلب الله يا السحيمي أن يبعث فينا ابن تيمية.
