الاحتيال والغش والتزوير ليس سلوكا جديدا في سوق تأشيرات العمل, بل هو ظاهرة تختفي وقد تعود مرة أخرى أشد مما كانت عليه, فهذه ظاهرة كالإعصار الذي تخبو قوته لتعود أكثر شراسة وأقوى فتكا. وإن من يراقب سوق العمل ووضع التأشيرات يجد أن بعض تجار التأشيرات أصبح يمارس القرصنة على حقوق الغير, فقد دخلت هذه التجارة الحيز الجنائي عندما لبست ثوب التزوير وانتحال صفة أصحاب الأعمال والدخول غير المشروع على الأنظمة الإلكترونية, وهذه الأفعال تشكل جرائم تحت أسماء مختلفة بحسب وضع كل حالة على حدة, فقد تكون تزويرا فقط وقد تكون تزويرا مع انتحال لصفة الغير, كما أنها قد تكون غشا واحتيالا.
لقد عانت بعض المؤسسات من استخدام اسمها ورقم سجلها التجاري وتعرض ملف الاستقدام الخاص بها في مكتب العمل لأعمال جنائية قام بها أشخاص ماهرون بقصد الحصول على المال حتى وإن كان زهيدا. والخطورة هنا ليست في الفعل فقط، بل فيما يعكسه ذلك الفعل من تهديد لاسم كل تاجر أو مؤسسة أو شركة من استخدام غير مشروع لحقها في الاستقدام, فهذا العمل يقوم به فقط ضعاف النفوس من المواطنين لتحقيق عائد مادي بسيط متناسين أن هذه المتاجرة لها مخاطرها الأمنية والأخلاقية, والمتضرر الأول والأخير منها هو أمن اقتصادنا الوطني, ومن يقومون بهذه الممارسات أغلبيتهم في سن الشباب ولا يعون مضار هذه الممارسة على مصلحة الوطن ولا يعون مضار المتاجرة بالتأشيرات على اقتصاد الوطن وأمن المجتمع, أما تأثير هذه الظاهرة فهي تعوق مشاريع السعودة التي يسعى إليها الجميع, كما أنها من العوامل الرئيسة التي أدت إلى ظاهرة «البطالة الأجنبية» في مناطق مختلفة من المملكة مقارنة بالأعوام السابقة, وذلك رغم المحاولة الجادة من قبل الجهات المعنية لاحتواء هؤلاء المخالفين لنظام الإقامة إلا أنهم يعملون بقدر الإمكان للتحايل على النظام بطرق مبتكرة ومختلفة أسهمت في انتشار عدد من الجرائم والسرقات لأن بعض تلك العمالة يتعرضون لضغوط شديدة من كفلائهم الذين يطالبونهم بمبالغ نقدية نهاية كل شهر, ما يجعلهم يلجأون في كثير من الأحيان إلى ارتكاب جرائم للحصول على المال.
إن وزارة العمل على علم أكثر بتفاصيل مشكلات التأشيرات, لذا فهي تعمل حاليا على إطلاق نظام آلي بالتعاون مع وزارة الداخلية للقضاء على تزوير التأشيرات وسائر صور التلاعب, ومن المتوقع أن يؤدي تدشين هذا النظام الآلي إلى القضاء على كل أشكال الاحتيال والتلاعب التي تتم حاليا في سوق العمل, كما أن هذا النظام الآلي سيؤدي إلى اختصار الوقت والإجراءات وتوفير الجهد الذي يبذله الموظف والمواطن لإنهاء الإجراءات.
لقد تعود العاملون في سوق التأشيرات على التغاضي عن أفعالهم حتى وإن شكلت جرائم يحاسب عليها القانون, وقد أدى هذا إلى التمادي في هذا السلوك الجنائي, وكي يأخذ النظام مجراه فإن على مكاتب العمل أن تحيل ما لديها من حالات تزوير في التأشيرات إلى هيئة الرقابة والتحقيق كي تحقق فيها وتقيم الدعوى الجنائية على من يسفر التحقيق عن إدانته وتحيل ملف قضيته إلى ديوان المظالم كي يعاقب بالعقوبة النظامية, فالتأشيرات مستندات رسمية وهي أيضا محمية بقوة النظام لأن من يتعاملون فيها لا يتطرق الشك إليهم لحظة واحدة في صدقها وأنها صحيحة, ولذا يدفعون المقابل المالي ويتخذون بصددها الإجراءات النظامية ثم يفاجأون بأنها مزورة أو مستخدمة أو تم استخراجها بصورة مخالفة للنظام, ولأن النظام الآلي في طريقه إلى التطبيق فإن التفاؤل سيد الموقف ولكن الجناة يسابقون التقنية وأحيانا يسبقونها, ولكن يفترض دائما أن يجدوا القانون لهم بالمرصاد ليحاسبهم ويردعهم ويردع بهم غيرهم.
