التصنيف العالمي للجامعات مؤشر حي ووسيلة من وسائل التعرف على المستوى الفعلي في مؤسسات التعليم العالي ذلك أنه يعد من جهات محايدة خارج الجهة الخاضعة للتصنيف وتقوم عادة بإعداد قائمة بأفضل 500 جامعة في العالم اعتمادا على معايير محددة قابلة للقياس وتختلف من تصنيف إلى آخر غير أنها تتفق على المعايير الأساسية. ثمة عدد من الجهات تقوم بدور تصنيف الجامعات في العالم لعل من أشهرها تصنيف (التايمز كيو إس) وتصنيف جامعة (جايو تونج شانغهاي) إلا أننا سنتطرق إلى الحديث عن تصنيف (التايمز كيو إس) العالمي لأهميته ولكونه أدق تصنيف لمؤسسات التعليم والبحث العلمي فبه تحدد الجامعات ذات المستويات التي ترقى من خلال أدائها الوطني ورسالتها المحلية إلى بلوغ مستوى عالمي بحيث يمكن مقارنتها وتحديد موقعها ضمن قائمة أرقى الجامعات العالمية وعليه يجوز وصفها بالجامعة العالمية.
تصنيف (التايمز كيو إس) يقوم به الملحق التعليمي لمجلة التايمز البريطانية بالتعاون مع شركات متخصصة في بحوث التعليم ومنتشرة في عديد من دول العالم، ويرتكز تصنيفها للجامعات في العالم على مؤشرات ستة.
الأول: المراجعة الأكاديمية (بنسبة 40 في المائة)
يتم استطلاع آراء متخصصين في التعليم والدراسة من مواقع عديدة في العالم لإبداء آرائهم في المجالات المتوافرة في الجامعة الخاضعة للتصنيف في تخصصات الآداب والعلوم الإنسانية والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والطب والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وفي تصنيف عام 2009، تم استطلاع آراء 9386 متخصصا أكاديميا لاختيار الجامعة الأفضل.
الثاني: نسبة أعضاء هيئة التدريس للطلاب (بنسبة 20 في المائة)
جودة التعليم تتأثر سلبا كلما زاد عدد الطلاب لكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة الخاضعة للتصنيف، والمؤشر يعكس مدى اهتمام الجامعة بجودة ونوعية التعليم.
الثالث: نسبة المرجعية لأعضاء هيئة التدريس (20 في المائة)
هذا المؤشر يعكس أهمية البحث العلمي وما ينشر للجامعة من بحوث في الدوريات العلمية العالمية ومدى الاستفادة من بحوث الجامعة كمرجعية في أبحاث أخرى.
الرابع: التوظيف ورأي مؤسسات توظيف الخريجين في العالم (10 في المائة)
هذا المؤشر يعنى بمدى قدرة الجامعة الخاضعة للتصنيف على تهيئة خريجيها بتخصصات ومهارات تتوافق وحاجة سوق العمل ومدى قدرة الجامعة على إعداد الطلاب في مهارات الإبداع والابتكار والتحليل والالتزام وسلوكيات العمل.
الخامس: أعضاء هيئة التدريس (5 في المائة)
يهتم هذا التصنيف بفرصة تبادل الخبرة والمعرفة من حيث تنوع تخصصات وجنسيات أعضاء هيئة التدريس بما يثري عملية التعليم الجامعي والبحث العلمي في الجامعة، وهذا مؤشر على أهمية عالمية التعليم وضرورة تعدد الخلفيات التعليمية والاجتماعية باعتباره حافزا للعملية التعليمية.
المؤشر السادس والأخير: الطلبة الأجانب (5 في المائة)
يعكس هذا المؤشر نسبة الطلبة الأجانب من خارج بلد الجامعة إلى مجموع الطلبة وهو ما يعكس مستوى الجامعة في نظر الطلبة من خارجها، إذ عادة ما يبحث الطلبة الأجانب الجادين عن جامعة عالمية مرموقة وفقا للتصنيفات العالمية.
تأتي أهمية هذا التصنيف كونه ذا مصداقية عالمية مجردة من أي انتماء إذ يكشف الستار عن جودة التعليم في الجامعات أينما كانت ومدى مساهمتها في الأبحاث العلمية (الأساسية والتطبيقية) وعلى مستوى العالم وبموجبه تتحدد مكانة الجامعة.
ويأتي توقيته ونتائجه في وقت تشهد فيه الساحة التعليمية في وطننا حراكا لرفع مكانة الجامعات السعودية واللحاق بمصاف الجامعات العالمية المرموقة مستلهمة استراتيجيتها وتوجهها وخططها من توجهات قيادة هذه البلاد، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حفظه الله، ودعمها السخي للتعليم العالي والبحث العلمي كما نوه عنه معالي وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري قائد دفة التعليم العالي فالدعم موجود على أعلى المستويات والسند المادي والبشري والمعنوي متوافر ولذلك فلا مناص من اللحاق بالعالمية في جامعاتنا. وتأتي أهمية هذا التصنيف كذلك في كسر حالة العزلة الأكاديمية التي عاشتها جامعاتنا لسنوات عدة تدنت على أثرها مؤشرات جودة التعليم في بلادنا رغم توافر الإمكانات المتاحة.
إن ما يثلج الصدر ويبعث على الارتياح والاعتزاز أن يزف لنا معالي وزير التعليم العالي نبأ تبوؤ جامعتين سعوديتين هما جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد مكانة مرموقة ضمن قائمة أفضل ثلاثمائة جامعة في العالم في قائمة تصنيف (التايمز كيو إس) العام 2009، فقد حصلت جامعة الملك سعود على المركز 247 بين الجامعات العالمية والأولى على الجامعات العربية، والحقيقة أنه لم يكن لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا توفيق الله ثم جهود العاملين في الجامعة وعلى رأسهم الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن العثمان ذو الفكر النير والرؤية الثاقبة وجهده الدؤوب كي يرقى بجامعة الملك سعود إلى العالمية وها أول الغيث قطرة.
على أن هذا التاج لجامعة الملك سعود، من جهة عالمية محايدة، لم يأت من فراغ فالجامعة تموج بالأحداث والمتغيرات التي أسهمت نتائجها في قفزة عالمية تستحق التقدير وستستمر هذه الجهود للمحافظة على هذا الإنجاز. ولا يتسع المجال لسرد جهود الجامعة نحو العالمية لكننا سنذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر حتى يفهم القارئ أسباب تميز هذه الجامعة وتقدمها في التصنيفات العالمية فقد وضعت الجامعة خطة طموحة نحو الريادة طويلة المدى تمتد حتى عام 2030، تنص على «تحقيق ريادة عالمية من خلال شراكة مجتمعية لبناء مجتمع المعرفة» فجامعة الملك سعود واضحة في تحديد أهدافها ومعالم توجهاتها. وفي نظري أن جامعة الملك سعود بتبنيها هذه الرؤية الواضحة ومن منافع تفوقها وتميزها إنما تزيد من تفاعلها مع المجتمع السعودي بمختلف شرائحه بحيث ستصبح هذه الجامعة ركيزة من ركائز تطور المجتمع المعرفي ونموه في تبنيها وتقدمها في مجالات البحث والإبداع وبتفاعلها بنتاجها لخدمة المجتمع بشتى المجالات.
أكاد أجزم أن جامعاتنا أهل للمكانة العالمية دون استثناء لكن ذلك يتطلب بعض الوقت، والمهم أن تحدد الأهداف على المديين القريب والبعيد وأن توجه دفة العمل نحو تحقيقها وأن نعمل بنفس الفريق الواحد دافعه حب هذا الوطن والفخر بالانتماء إليه. ومن آثار هذا التصنيف الإيجابية على جامعاتنا في تحقيق مراتب متقدمة في القائمة العالمية للجامعات أنها ستصبح، بإذن الله، من المؤسسات العلمية الجاذبة للتعليم المتميز والأبحاث العلمية المتميزة أي ملاذا للموهوبين مما يكسبها شهرة أكاديمية ويستقطب الطلبة وأعضاء هيئة التدريس خاصة العلماء والمبدعين والمتميزين من أرجاء العالم كافة كون جامعاتنا حينئذ سيشار إليها بالبنان وحاضنة للتميز والإبداع وقد اكتسبت مصداقية عالمية لدى صانعي القرار لوزنها العلمي وآمل أن تحظى جامعاتنا ذات الترتيب المتقدم بدعم مادي كبير من الجهات المهتمة بالبحث العلمي عالميا بغرض فتح آفاق أكاديمية عالمية مع استمرار دعم الدولة لها وهذا يتيح للجامعة فرص تطوير وتحديث أدوات البحث العلمي. أما على المستوى الوطني فيكفينا الإشارة إلى أن التصنيف العالمي يعتبر معيارا على مدى تقدم وتطور الدول ولذلك فإن الخروج من دائرة التصنيف العالمي للجامعات بمثابة خروج من دائرة المستقبل حيث تتنافس الأمم وتتفاخر بجودة ورصانة التعليم ذلك أن الباحثين والطلاب هم من يصنع المستقبل في بلادهم.
الشيء المفرح ومن ثمار وميزة هذا التصنيف ووصول جامعاتنا إلى هذا المستوى العالمي المرموق أنه خير دليل ورسالة واضحة للعالم على أن التعليم في المملكة يلقى دعم الدولة ومساندتها وهذا أمر مهم في صعود جامعاتنا كلها إلى أعلى قائمة التصنيفات العالمية والحفاظ على مقدراتها ومنجزاتها وهذا ليس بالأمر السهل ويتطلب جهودا مضاعفة والعمل بروح الفريق الواحد.
