تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
السبت 1430-11-19 هـ. الموافق 07 نوفمبر 2009 العدد 5871  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 135 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


ديفيد.. واستراتيجية الشركات!



د.إبراهيم بن شرفي أبوساق

قاد شركته عبر العقود ومكنها من البقاء والنجاح في حين أقفلت الشركات من حوله أبوابها, معلنة نهاية مشوارها وفشلها في البقاء والمنافسة في بيئة وصفها ديفيد «بالمجنونة». كان ذلك زمان السبعينيات والثمانينيات التي حولت بريطانيا من دولة يعتمد اقتصادها على الصناعة إلى دولة تعتمد على الخدمات. كان ذلك زمان اتحاد العمال والإضراب عن العمل, وكان ذلك هو الوقت الذي قررت فيه الحكومة أن تسحق قدرة اتحادات العمال لإلحاقها بالشلل لاقتصاد البلاد. خلال مسيرة التحول من الصناعة إلى الخدمات, شهد قطاع صناعة الحديد والأواني النحاسية التي اشتهرت بها مدينة شيفيلد خروج الغالبية العظمى من الشركات من السوق. يقول ديفيد صاحب الشركة ووارثها عن أبيه وجده عن تلك الأيام «في بادئ الوقت, كانت الشركات الكبرى هي الأكثر تأثراً, ثم لحقت الأزمة بنا ذوي الشركات المتوسطة. كنت أزور إحدى الشركات الكبيرة التي يديرها أحد أصدقائي وكان يطلعني على خططهم المستقبلية. لم يبهرني التفصيل الدقيق لاستراتيجياتهم التي فصلت في كتيبات عديدة والتي أسهم فيها عديد من مديريهم ومهندسيهم. كنت مشغولا بالتفكير في كيفية البقاء, لم أكتب سطراً واحداً ولم أخطط على ورق. كنت أتابع السوق وأتبع إحساسي, هكذا كانت استراتيجيتي. لقد نجحت في حين فشلوا».

تعرفت على ديفيد عندما أرسل لي إيميلا طالباً المساعدة على إعادة هيكلة شركته وخاصة أنه بلغ من العمر ما لا يمكنه من المواصلة في إدارة الشركة بشكل مباشر. عند أول زيارة لشركته, أخذني بسيارته ليفرجني على أطلال من غادروا المكان, مصانع وشركات لم يبق من أطلالها سوى القليل. سألته عن لجوئه إلى عملي الاستشاري وهو الذي تعامل مع أكبر أزمة حلت بصناعته بكل نجاح؟ قال «تغير الوقت, لم يعد الوقت كما أعرفه! لم يعد إحساسي متابعا لمجريات السوق وتغيرات البيئة, لم أعد قادرا على استشفاف المستقبل من أحداث اليوم, أحتاج إلى التغيير وتوريث ما حافظت عليه وبنيته لابنتيَّ, لا يمكنني توريث رؤيتي للشركة بسهولة, أحس بأن السوق يتغير بشكل لم أعد قادرا على فهمه بسهولة...».

يعتقد كثير من المديرين التنفيذيين أن الاستراتيجية هي ما كتب أو فصل أو درس أو حلل إلى أدق الدرجات وأصغرها. كثير من الشركات يركز على التخطيط ودرجات تطبيقه, في حين أن الاستراتيجية ليست تخطيطا وخطوات وبرامج تعطي تعليمات للمديرين. الاستراتيجية هي مفهوم شامل وكبير يتم من خلاله اتخاذ القرارات بطريقة فعالة ويعطي المديرين توجيها أفضل لتطوير أدائهم وأداء شركاتهم. الاستراتيجية هي مفهوم يعنى بتحقيق الفوز في المنافسة ويضمن البقاء للشركة, هي مفهوم يعنى بالمستقبل من خلال جعل الشركة الأكثر أهمية في السوق, أن يجعلها أكثر ارتباطا بالبيئة التنافسية المحيطة بها فتصبح أكثر تجاوباً مع متغيرات البيئة وأكثر مرونة في ملاءمة التحديات والتغييرات في السوق.

الفكر الاستراتيجي السليم يولد من خلال عاملين رئيسيين مهمين ألا وهما: 1) أن يكون لديك فهم كبير بمجال صناعتك أو قطاع تخصص شركتك. في هذا العامل, قد تكون إما مديرا يمتلك إحساسا عاليا ودقيقا يمكنك من متابعة السوق والبيئة التنافسية بشكل يمكنك من استباق الأحداث المستقبلية في السوق (مثل صاحبنا ديفيد), أو قد تكون مديرا يعتمد على تحليل المستشارين والمتخصصين لكي يوّلد لك تصور معين عن حالة السوق وما قد يؤول إليه وفي هذا فأنت لا تمتلك القدرة على استشفاف ما قد ينتج عن قراراتك من تغييرات وفي الغالب ستكون لك استراتيجية مكتوبة ومفصلة أشبه منها بالتخطيط وليس المفهوم الاستراتيجي الفريد بشركتك. 2) التعامل مع التغييرات الخارجية المحيطة بالشركة لن يتم بنجاح ما لم يكن للمديرين فهم كبير ودقيق بموارد شركاتهم والقدرات التي تمتلكها الشركة. هذا الفهم يجب أن يتخطى مسألة معرفة مواقع الضعف والقوة في الشركة فقط إلى معرفة أماكن ومساحات الإبداع والاختراع في الشركة وهذا يشمل بالدرجة الأولى «الإدارة» في الشركة.

نجح ديفيد في امتلاك العاملين ولكنه لم يكن موفقا كثيراً في العامل الثاني وخاصة في التعرف على أماكن الإبداع في الشركة, لهذا فشركته بقيت متوسطة الحجم على مر العقود, مَلِك استراتيجية البقاء (الدفاع) وليس التقدم والانتشار. نجاح ديفيد الفعلي هو في العامل الأول وخاصة في امتلاكه الحدس الدقيق وخلقه رؤية لشركته لم يقدر على رؤيتها الآخرون ممن خرج من السوق. هو الآن قلق لأنه لا يمكنه توريث هذه الرؤية حتى وإن درب ابنتيه على طرق تحليل السوق ومعرفة اتجاهاته المستقبلية. لهذا فإن هيكلة الشركة أصبحت أكثر من ضرورية فهو يدرك أن المستقبل من بعده يحتاج إلى تركيبة إدارية جديدة تختلف رؤيتها!

عدد القراءات: 1251
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



12 تعليق

  1. سمير الحسين (1) 2009-11-07 04:28:00

    رهيب ورائع يا دكتور، كم هو مفيد ان تستمر في اشراكنا في خبراتك والله انك مفخرة لكل سعودي.... تحياتي من واشنطن!

  2. سامي صالح الأسمري (2) 2009-11-07 07:41:00

    فكر مميز وشرح جميل. في نظري أن الرؤية السليمة هي سفينة النجاة لأي شركة ولا يمنع هذا من امتلاك الشركة إلى مدراء ومحللين يعدون الخطط التي تناسب الرؤية هذه. صحيح أن الاستراتيجية هي شيء غير ملموس ويجب ان يكون نتيجتها المباشرة هي تحقيق التفوق على المنافسين ولكن في نفس الوقت يجب أن تحاول الشركات أن تجعل من الاستراتيجية الغير ملموسة للكثير ملموسة بشكل ما.. لا أعرف كيف ولكن قد تفيدنا في هذا الجانب لأن المسألة الشائكة أمام الشركات هو ملامسة ومشاهدة استراتيجيتهم الكلية والبعيدة الاجل. مقال يستدعي التفكير.

  3. ابو محمد (3) 2009-11-07 10:18:00

    جهد رائع ومميز كالعادة ، فهذا هو المختصر المفيد ، لكن ما الفرق بين كل من التخطيط طويل الأجل والاستراتيجية ؟

  4. ثنيان (4) 2009-11-07 11:57:00

    متميز دائم يادكتور في اسلوبك يعجبني قلمك الرائع. كم هو جميل ان تثرينا بخبرتك الاداريه فيوجد الكثير من امثال ديفد لكن لا يطلب المساعده لكي لا يوشوش على نفسه.
    سلمت يداك وننتظر المزيد

  5. فهد (5) 2009-11-07 12:04:00

    " نجح ديفيد في امتلاك العاملين ولكنه لم يكن موفقا كثيراً في العامل الثاني وخاصة في التعرف على أماكن الإبداع في الشركة, لهذا فشركته بقيت متوسطة الحجم على مر العقود, مَلِك استراتيجية البقاء (الدفاع) وليس التقدم والانتشار."
    اتفق معك هذا بيت القصيد من وجهة نظري!!
    وياكثر شركاتنا الباقيه والتي تحارب من اجل البقاء ولاتعير اهميه للتقدم والتجدد والبحث عن ماهو جديد في عالم الاعمال والاداره.
    كلام جميل يادكتور من شخص يعرف الكثير وله في هذا المجال باع طويل
    شكرا لقلمك الراثع

  6. راكان (6) 2009-11-07 12:09:00

    متميز كالعاده يادكتور وصف جدا ذكي ورائع واسلوب كتابه فني.
    اتمنى ان تكتب مقال في الاستراتيجيه الناجحه للشركات او اعطاءنا امثله على استراتيجيات ناجحه لشركات اجنبيه بحكم واقع تجربتك وخبرتك.
    شكرا لك دمتم بحفظ الله

  7. صاحب شركه (7) 2009-11-07 12:18:00

    استمتعت بقراءة مقالك استاذي العزيز كان جدا اسلوب مشوق لمعرفة ماذا حصل مع ديفد لان امثاله كثيرون قد يغيب عنهم المستقبل ويركزون على حاضر هذه الشركه وانها مرضيه لحد مافياخذهم الانشغال وفجاة يتغير الحال .
    شاكر لك وفي انتظار المزيد

  8. عبدالخالق الغامدي (8) 2009-11-07 14:23:00

    شكرا يا دكتور على مقالتك الرائعة والغنية بغنى كاتبها اتمنى ان ينهض امثال ديفيد في التعرف واكتشاف الفرص الضائعة التي يمكن ان تقفز بهم الى الامام
    تحديد الرؤية وتجديدها وتطويرها امر مطلوب حتى عند المتحفظين واصحاب الفكر التقليدي والا ستنطبق عليهم مقولة القطار فات

  9. عبدالله العنزي (9) 2009-11-07 17:19:00

    لهذا فإن هيكلة الشركة أصبحت أكثر من ضرورية فهو يدرك أن المستقبل من بعده يحتاج إلى تركيبة إدارية جديدة تختلف رؤيتها!
    صح قلمك هذا مايجب ان يدركه اصحاب الشركات اذا كانو يريدون الديمومه في مجال الاعمال.
    لاتحرمنا يادكتور من خبراتك شاكر لك.

  10. فهد العتيبي (10) 2009-11-07 20:03:00

    اللي احب اعرفه هل ممكن نطور ونغير من تركيبة شركاتناالادارية؟ وخاصة العائلية؟

  11. أبومبارك (11) 2009-11-07 22:50:00

    الله يجزاك خير علي المقال المفيد. الأستراتيجية الي تضعها الأدارة وتطلب من الموظفين أتبعها تفشل دائما .

  12. محمد المهنا ابا الخيل (12) 2009-11-08 00:13:00

    سيدي دكتور ابراهيم
    تحليلك لم يذهب بعيداً عن التحليل الرباعي المعروف فالنظرة الخارجية تكمن في فهم الفرص والتحديات والداخلية في فهم مكامن الفوة والضعف , ولكن هناك جانب أخر تتجلى فيه قدرة المؤسسة على البقاء والتحدي وهي قدرة قبادة المؤسسة على التخلي عن عوامل النجاح الفديم وتبني عوامل النجاح المستقبل , اي الرشاقة في التحول والتغير , فلكل زمان عوامل نجاح مختلفة , وصاحبك ديفيد بحاجة لنسيان الماضي و أستهلال الالمستقبل . انظر ماذا فعل جاك ولش حين نظر للمستقبل ونسي الماضي .


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

د.إبراهيم بن شرفي أبوساق

د.إبراهيم بن شرفي أبوساق

أستاذ الإدارة الدولية والتسويق في جامعة مانشستر- المملكة المتحدة

iabosag@hotmail.com


اشترك في خدمة RSS : RSS

بحث:د.إبراهيم بن شرفي أبوساق

بحث في المقالات:

الاقتصادية اون لاين

الأكثر تفاعلاً

  • قراءة
  • تعليقاً
  • ارسالاً