وجدت من تخرج من إحدى الجامعات لدينا من يلوم، بل وقد يكثر السباب، لمن أرغمه على أن يتخصص في علم تنقصه الحيوية.. لذا فنحن نسمع بين الآونة والأخرى ارتفاع أصوات المسؤولين التربويين (وبالأخص في وزارة التعليم العالي) على أن تكون الاختصاصات والخطط المستقبلية ومخرجات التعليم مواكبة لاحتياجات سوق العمل وخطط الدولة التنموية... ولكن إذا ذهبنا إلى واقع التطبيق فإننا نرى أن هنالك توقفاً إن لم يكن انكماشاً في المقاعد المخصصة في الكليات ذات التطبيقات الحيوية، التي يجد بعدها الطالب وظيفة عمل بعد تخرجه منها، وعلى النقيض من ذلك فإن هنالك انتعاشاً في الأقسام التي يحق لنا أن نقول عنها إنها أقسام ممنوعة من الصرف، وليس أدل على ذلك من التحفظ الذي رفعته وزارة الخدمة المدنية إلى مجلس الشورى بعدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.
فعلى سبيل المثال لا الحصر تقدم عدد من الطلاب بتقدير جيد جداً (علمي) من الثانوية، ولكن لم يمكنوا من القبول إلا في اختصاصات أدبية كالجغرافياً، بل إن أحدهم معدله 83 في المائة لم يقبل إلا في قسم اللغات والترجمة اختصاص لغة روسية..!! علماً بأن هناك أقساماً علمية في بعض الكليات (العلوم، والإدارة، وغيرها) لديها القوة الاستيعابية لاحتواء أكبر عدد من الطلاب.
وهنالك مثال آخر وهو أن يكون الطالب في الجامعة لديه رغبة في الدخول إلى كلية معينة، لأنها قد تلبي حاجات المجتمع وسوق العمل، إلا أنه تم قبوله في كلية أخرى لا رغبة له فيها، وهذا لا ضير فيه طالما أن هنالك إمكانية لتحويله إلى الكلية التي يرغب إليها، إلا أن شروط التحويل فيها شيء من التعجيز، فلابد أن يأتي الطالب بنسبة 3.5 من 5 علماً بأن زميله الذي قبل أصلاً في تلك الكلية أو القسم لم يتمكن من الحصول على هذا المعدل المرتفع نسبياً!! وقد تكون السنة التحضيرية أحد المخارج لتوسيع دائرة القبول في كليات تخدم سوق العمل!!
أما الانتقال إلى إحدى الكليات الصحية (التي الحاجة ماسة فيها للكفاءات الوطنية) فلا يحق إلا إذا كان الطالب أو الطالبة قد قُبل أصلاً في البرنامج الصحي الموحد، وهذا التصرف يعد منافياً للمصلحة العامة وغير متبعٍ في أغلبية دول العالم، فعلى سبيل المثال لا الحصر: إن أغلبية الأطباء في أمريكا هم أصلاً من خريجي أقسام كليات العلوم.
فكان من نتيجة ذلك أننا دفنا طموح الشباب بإقحامهم في الدراسة تحت أقسام لا يحتاج إليها سوق العمل، ولن تؤهلهم لخدمة وطنهم.. كما أن ذلك دفعهم إلى الهروب من هذا البلد والسعي إلى الحصول على مقاعد دراسية في الخارج، وهذا بالطبع سوف يكلف الاقتصاد الوطني الشيء الكثير، كما أن هؤلاء الشباب وبعد رجوعهم من البعثات الخارجية سوف يكون لديهم أفكار وطموحات قد تكون مختلفة عن مجتمعهم.
إنني أخشى أن تكون مسيرتنا التربوية المحلية قد دفنت الأحياء من أبنائنا في مقبرة العلوم والتخصصات الممنوعة من الصرف، ومن المؤسف أننا لا نزال نخدع أنفسنا بالندوات والتوصيات وكذلك التصريحات الوطنية، المنادية بأن تكون مخرجات التعليم متوائمة مع احتياجات سوق العمل!!، ولكن في التطبيق تركنا الحبل على الغارب ليغرق الضعيف ولتبقى أقسام جامعاتنا (التي عفا الزمن على بعضها) بعيدة عن الواقع، يدفن فيه طموح الشباب!!. لذا فأتمنى أن نجعل من أنظمة القبول سواء في المرحلة الجامعية أو الدراسات العليا أكثر مرونة، وهذا هو المتبع في جامعات الدول المتقدمة.
