نصف قرن مضى على افتتاح معهد الإدارة العامة، استطاع المعهد خلالها أن يبني فكراً إدارياً متميزا، طبّقه على نفسه قبل أن ينقله إلى الجهات الحكومية الأخرى، فكان أنموذجاً متميزاً في الإدارة قولا وعملا.
منذ تأسس معهد الإدارة العامة سنة 1380هـ، لم يكن طريقه مفروشا بالورد، بل لقي معارضة كبيرة من بعض أفراد المجتمع الذين توجسوا خيفة من المعهد وما يحمله من رسالة، ورغم ذلك استمر المعهد في أداء المهمة الموكلة إليه للارتقاء بالإدارة في مختلف الأجهزة الحكومية على أكمل وجه، فكان أن نظم آلاف الدورات والمحاضرات والندوات وأعد كثيراً من الدراسات والخطط، وقدّم عدداً كبيراً من الاستشارات لتطوير العمل الإداري، كما أصدر عشرات الكتب والدراسات والمترجمات، فاستطاع، بالعمل لا القول، أن يبين الهدف السامي من إنشائه، فاقتنع به من كان يحمل موقفاً معارضاً منه، وأصبحت دوراته مطمحاً لمنسوبي القطاعات الحكومية، حتى أصبح من النادر أن تجد جهازاً حكومياً لا يعرف منسوبوه معهد الإدارة العامة، سواء عبر تلقي دورات في المعهد، أو عبر مشاركة المعهد في تطوير هذه القطاعات، بل أصبح من يحمل أسباب التوجس منه في السابق يسارع إلى تلقي دوراته وعن قناعة تامة.
وكان من أسباب تميز ونجاح معهد الإدارة التزامه بأسلوب إداري يدركه كل من درس به أو تعامل معه، بحيث لم يكن من يدرس فيه يجد انفصالا بين ما يُطرح من آراء إدارية، وبين ما يراه في أروقة المعهد من انضباط وحسن تنظيم، وهذا ما جعل المعهد قدوة للقطاعات الأخرى.
واليوم وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - يحتفل معهد الإدارة العامة بمرور نصف قرن على إنشائه، وهذا الاحتفال سيكون متميزاً، حيث سيصحبه تدشين عدد من المشاريع الجديدة التي يسـعى المعهد إلى تنفيذها في المستقبل وإقامة مؤتمر دولي للتنمية الإدارية بعنوان “نحو أداء متميز في القطاع الحكومي”، كما ينظم المعهد معرضاً دولياً للكتاب متخصصاً في مجالات العلوم الإدارية مع إصدار عدد من الكتب التي تتناول الإدارة.
معهد الإدارة العامة، وإن كان اسمه لا يعطيه الوهج الإعلامي الذي يمنحه مسمى جامعة أو أكاديمية، إلا أنه يبقى علامة متميزة في الفكر الإداري، استطاع أن يصنع له اسما ومكانة على المستويين المحلي والخارجي، فاق كثيرا من قطاعات التعليم والتدريب الأخرى.
