الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

رجل مُسِن غاضب متقاعد

كريس باتن
الأحد 1 نوفمبر 2009 4:57

بعد أن بلغت سن التقاعد، أصبحت مؤهلاً لكي أصبح رجلاً مُسِناً غاضباً. ولابد أنني أصيب أولادي وطلبة جامعة أكسفورد التي أتولى رئاستها بالملل والسأم بسبب تأففي وتبرمي المتواصل إزاء تدهور أحوال كل شيء. غير أنني لا أرى الأمور على هذا النحو بالضبط.

التحقت بالجامعة في عام 1962، ولقد تزامن فصلي الدراسي الأول مع أزمة الصواريخ الكوبية، حين بدا العالم وكأنه بات قاب قوسين أو أدنى من الكارثة النووية. تلك هي الأيام، حيث كان السلام العالمي مدعوماً بمفهوم «الدمار المؤكد المتبادل». ولكن تُرى هل كان ذلك العالم أسوأ وأشد خطورة من عالمنا اليوم، حيث أصبحت همومنا النووية الرئيسة تتلخص في كيفية منع انتشار الأسلحة النووية وتعزيز المعاهدة التي ردعت ذلك الانتشار طيلة الجيل الماضي؟

في نهاية سنوات دراستي في جامعة أكسفورد، سافرت باعتباري طالباً إلى الولايات المتحدة وزرت ولاية ألاباما. لعلكم تذكرون قصة حضور ريتشارد نيكسون لاحتفالات الاستقلال في غانا. في حفل الاستقبال، ذهب نيكسون إلى أحد الضيوف وهو يظن أنه أحد المواطنين المحليين، وسأله عن شعوره بعد أن أصبح قادراً على التصويت والاستمتاع بالحرية في ظل حكم القانون. فأجابه الرجل قائلاً: «والله لا أدري، فأنا من ألاباما».

أثناء حياتي كرجل بالغ، انتقلنا من قتل دعاة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة إلى انتخاب رئيس أسود. ولا شيء في هذا يستحق التذمر والتأفف.

وفي أماكن أخرى، تتسم بعض أكبر مشكلاتنا بخاصية هيجلية، فهي ناتجة عن حل مشكلات الماضي أو نجاحات الماضي. ولنتأمل على سبيل المثال، التحدي الأكبر الذي يواجهنا الآن، والذي يستحق أن نعتبره تحدياً لوجودنا على كوكب الأرض: ألا وهو الانحباس الحراري العالمي وتغير المناخ.

في القرن الماضي، أصبح العالم أكثر ثراءً؛ وتضاعف عدد سكانه إلى أربعة أمثاله؛ وتزايد عدد سكان المدن إلى 13 ضعفاً؛ وأصبحنا نستهلك المزيد من كل شيء. فارتفع استهلاكنا للمياه إلى تسعة أضعاف، واستخدامنا للطاقة 13 ضعفاً. وارتفع الناتج الصناعي إلى عنان السماء، حيث تزايد بمقدار 40 ضعـــف المـستــــوى الذي كان عليه في مطلع القــــرن الـ 20.

ولكن ــ وهنا تأتي الضربة الحقيقية ــ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تزايدت حتى بلغت 17 ضعفاً. وهذه هي المشكلة الأكبر التي نواجهها ــ أو النتيجة غير المتوقعة للنشاط الاقتصادي المتزايد والرخاء.

حين أنظر إلى التحضيرات التي تجري على قدم وساق لقمة كوبنهاجن المقرر انعقادها في كانون الأول (ديسمبر)، حيث سنحاول التوصل إلى اتفاق عالمي جديد لمكافحة تغير المناخ، فإن هذا لا يجعلني أتذمر أو أشعر بالغضب. فأخيراً أدرك كبار اللاعبين خطورة المسألة. حتى أن الولايات المتحدة تراجعت عن إنكارها للمسألة برمتها. والواقع أن الرئيس باراك أوباما ومستشاريه لا ينكرون الحقائق والأدلة العلمية التي تؤكد ما يحدث لنا جميعاً الآن. وفي الصين يبدو الزعماء السياسيون صادقين في التزامهم بالحد من الاعتماد على الكربون في إدارة اقتصاد بلادهم الجامح.

لا شك أن المشكلة الكبيرة الآن تتلخص في تحمل مسؤولية الماضي عن ارتفاع مستويات الكربون في الغلاف الجوي، وتحديد الكيفية التي يتعين علينا أن نوازن بها بين إجمالي الانبعاثات الوطنية ونصيب الفرد في هذه الانبعاثات ـ الآن أصبحت الصين في مقدمة الفئة الأولى؛ والولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا في مقدمة الفئة الثانية ـ وكيف سندير عملية نقل التكنولوجيا من البلدان المتقدمة إلى البلدان الناشئة والفقيرة. من المؤكد أن أسباب الشكوى والتذمر ستكون وفيرة إذا لم نبادر إلى حل هذه المشكلات عاجلاً وليس آجلاً.

عند هذه النقطة يبدو كبار السن وكأنهم قد تجاوزوا تاريخ انتهاء صلاحيتهم السياسية. واسمحوا لي أن أشرح لكم ما أقصد. كان أفراد جيلي يقيسون النجاح طيلة حياتهم بمقياس نمو الناتج المحلي الإجمالي: فهذا يعني المزيد من المال في المزيد من الجيوب، والمزيد من الموارد للبرامج والمشاريع العامة، والمزيد من فرص العمل. لكن أياً من ذلك لن يكون بالضرورة مقياساً للنجاح في المستقبل. فقد بات لزاماً علينا الآن أن نتحدث عن نوعية النمو. لقد أثار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هذه القضية، وأظنه كان محقاً في ذلك. لا أريد أن أقول إن النمو أمر سيئ، فمن المؤكد أنه يشكل ضرورة بالنسبة للفقراء. ولكن ما ينبغي لنا أن نروج له وندعمه الآن هو النوع السليم من النمو ـ النمو الذي لن يؤدي إلى تخريب آفاق مستقبلنا.

يتعين علينا أن نسعى إلى تعريف استدامة النمو على نحو يؤدي إلى خلق سرد جذاب لمواطنينا. ففي لحظتنا الحالية، يصفق الناس للنمو المستدام، ولكنهم لا يصوتون لما يعنيه النمو المستدام في الممارسة العملية.

فالناخبون الألمان على سبيل المثال يرفضون أي اقتراح بالحد من الأضرار البيئية الناجمة عن السيارات الكبيرة المكلفة. كما اصطف الناخبون البريطانيون وراء سائقي الشاحنات حين اندلعت الاحتجاجات على زيادة أسعار البنزين، من خلال فرض ضرائب أعلى على استهلاك الطاقة. والواقع أن فكرة فرض ضرائب الكربون تلاقي مقاومة عنيفة في كل مكان.

لدي خمسة أحفاد تقل أعمارهم عن أربع سنوات. وبحلول الوقت الذي يصبحون فيه مؤهلين للتقاعد والحصول على رخصة للتذمر والتأفف، فسيكون القرن الحالي قد بلغ عقده السابع أو الثامن. تُرى إلى أي حد قد يبلغ بهم الغضب إزاء آبائهم وأجدادهم بسبب النحو الذي ندير به أمورنا الآن؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية