يناقش مجلس الشورى مشروع نظام المرافعات الإدارية أمام القضاء الإداري (ديوان المظالم) الذي سيتخلص من عبء طالما حمله لعقود وهو عبء القضاء التجاري الذي ورثه الديوان في عام 1407هـ عندما خلف هيئة حسم المنازعات التجارية وهيئة حسم منازعات الشركات وغيرهما، من اللجان التي كانت تتقاسم الاختصاص في نظر المنازعات التجارية، أمّا اليوم فإن فكرة القضاء الإداري المتخصص في نظر المنازعات الإدارية توشك أن تتحقق وتحقق معها قفزة للقضاء العام أيضا بإعادة المنازعات التجارية إلى قاضيها الطبيعي ومكانها الصحيح بعد ما يزيد على ثلاثة عقود.
إن إعادة ترتيب أوضاع المحاكم في القضاء العام وكذلك في القضاء الإداري ستنعكس بإيجابياتها على الأوضاع التجارية ومكان وكيفية الترافع في هذا النوع من المنازعات التي هي جزء من حركة ونشاط المؤسسات الاقتصادية التي يهمها كثيرا السرعة والدقة في الفصل في حقوقها لدى عملائها وكذلك يهم عملاءها سرعة البت في دعاواهم وتعويضهم عن خسائرهم في معاملاتهم التجارية.
لقد أصبح في حكم القادم الانتظار لبعض الوقت لاكتمال إنشاء المحاكم التجارية المتخصصة ومحاكمها الاستئنافية ودوائرها العليا في المحكمة العليا وهو جزء من المشروع الضخم الذي سيعيد هيكلة القضاء بجهتيه العام والإداري، كما أن من المتوقع أن يتم نقل قضاة الدوائر التجارية الحالية في ديوان المظالم إلى المحاكم التجارية، حيث تكونت لديهم الخبرة الطويلة والمعايشة لتفاصيل القضاء التجاري وقوانينه وأنظمته ولوائحه، وكذلك عقوده التجارية والاستثمارية، وإن من العسير جدا أن يتم بناء كوادر قضائية تملك الخبرة نفسها في وقت وجيز، إذ قد يؤدي هذا التوجه إلى إعاقة حسن سير القضاء التجاري، فالتدريب أو التأهيل السريع لن يكون كافيا حتى وإن اعتقد البعض أنه يفي بالغرض ويؤدي المطلوب.
ولأن ديوان المظالم يعطي الاختصاص في القضاء التجاري للقضاء العام، فإن حقيقة العبء ليست عليه بل هي على الجهة المتلقية وهي القضاء العام، حيث تجري حاليا ترتيبات الاستعداد للانتقال وبدء العمل وهي مرحلة في غاية الحساسية بالنسبة للقطاع الخاص والأعمال التجارية والاستثمارية، ولا حاجة إلى التذكير بأن الهيئة العامة للاستثمار قد ألغت اللجنة القضائية لديها إيمانا منها بأن وحدة القضاء التجاري تحت مظلة القضاء العام مسألة قانونية لا مجال للاجتهاد فيها أو بذل الجهد للاستحواذ عليها.
ولعل في موقف الهيئة العامة للاستثمار ما يؤكد الثقة الكبيرة بنجاح المشروع الوطني لإصلاح القضاء الذي تبناه خادم الحرمين الشريفين في إطار حرصه على العدالة، كما أنه من المؤكد أن القائمين على هذا المشروع الضخم وعلى الأخص في وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء لديهم القناعة بأن نجاح هذه النقلة التنظيمية سيكون عامل دعم لجهود المملكة في سعيها لمكانة أفضل في تنافسية الاستثمار الذي هو عمل تجاري بحت في جميع جوانبه، فالشركات والمؤسسات الوطنية والأجنبية لديها الكفاءات الشرعية والقانونية التي تستطيع أن تقيم من وجهة نظرها عمل المحاكم التجارية وجودة العمل وكيفية الأداء.
ولعل تجربة ديوان المظالم في القضاء التجاري من خلال الدوائر التجارية تؤكد أن اجتهاد القاضي مرتبط بتطبيق النصوص النظامية والاطلاع على المبادئ القضائية وتجارب القضاء التجاري في الدول الأخرى واحترام إرادة المتعاقدين، فالعقد شريعة المتعاقدين ومنه تنبع الحقوق والالتزامات وهو بحد ذاته قانون ارتضاه الطرفان، كما أن ما سيصدره القضاء التجاري في المحاكم التجارية من أحكام لا بد أن يلقى نصيبه من النشر ليطلع المتخصصون من المحامين والمستشارين والأكاديميين على هذه التجربة، التي يأمل كل من له اهتمام بالقضاء من الحقوقيين وغيرهم أن تكون مشرفة وداعية للافتخار بها.
