الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

«ولا تسرفوا» ركيزة استراتيجية الأمن الغذائي عند الدول المتحضرة 

بدر العوجان
الثلاثاء 27 أكتوبر 2009 20:12

أستميحكم عذراً أن أبدأ بالشكر الجزيل للإخوة القراء والأخوات الذين تجشموا عناء التواصل عبر التعليقات في موقع الجريدة الإلكتروني أو عبر الهاتف أو شخصياً مشافهةً والذين غمروني بأفكارهم النيرة وتشجيعهم المبارك وحسن ظنهم, بارك الله فيهم.

تطرقت في المقال السابق إلى موضوع استراتيجية الأمن الغذائي, وأن لها محورين أساسيين وهما الخزن الاستراتيجي و»الاستزراع» الخارجي, وكيف أن الركيزة الرئيسة لنجاح أي استراتيجية أمن غذائي في أي بقعة من بقاع المعمورة لابد أن تكون في اتباع التوجيه الرباني في سورة الأعراف في قوله تعالى «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» والسبب في ذلك لا يخفى على عاقل وهو كما قال الشاعر:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

فلا أمن غذائيا في أي بلدٍ كان إذا كانت أجهزته الشعبية أو الحكومية تعمل على توفير الغذاء ضمن منظومة استراتيجية, بينما بعض (إن لم يكن معظم) أفراده سواء كانوا أشخاصاً بذواتهم أو  هيئات ومؤسسات يساهمون في فشل هذه الاستراتيجية من خلال الأكل والشرب بإسراف! 

ولقد أدركت الدول المتحضرة أهمية هذه الركيزة فبادرت في دراسة هذه الظاهرة ووضع الخطط الاستراتيجية للسيطرة على هذا الداء والذي تجاوزت فيه معدلات الإسراف من خلال النفايات معدلات النمو الاقتصادي أو النمو السكاني, وها هو مثلاً وزير البيئة البريطاني يعلن في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 رؤية بلاده لتكون بلداً لا يرمي أياً من الفضلات سواء غذائية أو غيرها وهي البلد الذي يرمي في القمامة ما يربو على ستة ملايين طن من الغذاء سنوياً منه على الأقل أربعة ملايين طن صالح للأكل, وهاهي اليابان تستنفر طاقاتها من خلال وزارة الزراعة والغابات والثروة السمكية لتنبيه شعبها لخطورة تغير عاداتهم الغذائية, وأنتجت الكثير من الحملات التوعوية والتي منها فيلم قصير غاية في الروعة يستحق المشاهدة مرات عديدة بعنوان Ensuring Future Of Food.

ولا يُستغرب ألبتة أن نرى هذه الدول تستثمر المبالغ الطائلة لتحقيق وتثبيت هذه الركيزة المهمة في استراتيجية الأمن الغذائي, حيث إن المردود الاقتصادي والاجتماعي بل الأمني كبير جداً, ويكفي أن نتصور مقدار الوفر المالي الذي ممكن أن تحققه هذه الدول من خلال تقليل كميات النفايات وبالتالي الموارد الضرورية لمعالجتها, دع عنك مقدار الوفر المالي المتعلق بتوفير هذه الكميات الغذائية المهدرة سواء من خلال زراعتها أو استيرادها أو تصنيعها وغيرها من الخدمات اللوجستية وتوابع ذلك من وفر في الوقود والآليات وغيرها من الأصول الثابتة. بل والأهم من هذا وذاك مقدار الوفر العظيم في أهم عنصر على وجه الأرض ألا وهو الماء والذي قال فيه الباري جل وعلا «وجعلنا من الماء كل شيء حي» فمثلا كل لتر حليب يرمى في القمامة هدر ما يقرب من ألفي لتر من الماء, بينما رمي شطيرة من لحم البقر (بيف برجر) هو عبارة عن رمي ما يقرب من 11 ألف لتر من الماء في القمامة وهي الكمية المستهلكة من الماء لإنتاج هذه الشطيرة, كما أن رمي كيلو من الرز يعادل هدر ألفين إلى خمسة آلاف لتر من الماء!! علماً بأننا مقبلون على أزمة مياه عالمية تتعالى الأصوات في أصقاع المعمورة للمبادرة في علاجها.

ولعلنا نتطرق في مقال قادم ـ إن شاء الله ـ عن آليات تحقيق هذا التوجيه الرباني الحكيم «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» والتي قسمتها إلى أربع آليات:

- الأولى عنونت لها بقول رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» رواه الترمذي وقال حسن صحيح, وهي عن عاداتنا الغذائية.

- أما الثانية فعنونت لها بقول رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم: «من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا». رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي في سننه وابن ماجه وقال الشيخ الألباني حسن. وستختص هذه الآلية بعاداتنا الشرائية.

- والثالثة تتلخص في قول الباري جل وعلا في سورة الإسراء «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً» وهي مدخل للحديث عن عاداتنا الاجتماعية.

- أما الرابعة والأخيرة فهي تتمثل في قول الباري جل وعلا في سورة المائدة «وتعاونوا على البر والتقوى» وسنتحدث من خلالها عن آليات إدارة الفائض من الغذاء في بيوتنا ومجتمعاتنا.

ولعلكم بارك الله فيكم وفتح عليكم تعينونني في سرد محفزات اتباع التوجيه الرباني في «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا» وأثر ذلك في كل جوانب حياتنا لأجعلها مدخلاً وبدايةً للمقالة القادمة, إن شاء الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية