تركزت أكثر النقاشات والحوارات في الصحف والمنتديات حول استخدام اللقاح ضد الإنفلونزا ومدى مأمونيته، ولكن لم يتعرف القارئ الكريم على جدوى استخدام الأدوية في منع حصول أو التقليل من مضاعفات الإنفلونزا.
المشكلة الأساسية تكمن في أدوية الإنفلونزا أنها وخلال خمسين سنة، لا يوجد منها في المجال الطبي إلا أربعة فقط، وكلها ظهر عليها نوع من المقاومة، وأصبحت تأثيراتها محدودة في علاج الأعراض الجانبية أو منع حصول الإنفلونزا.
ومن واقع خبرتنا في مجال العلاج فإن هنالك اختلافا كبيرا بين علاج الأمراض البكتيرية مقارنة بالفيروسية، حيث إن النجاح في علاج الأولى قد يصل في أغلب الحالات إلى 100 في المائة وتقضي الأدوية على جميع أنواع البكتيريا وفي أي موقع من الجسم، دون أن تسبب أضراراً كبيرة على خلايا جسم الإنسان، وقد لا يحتاج إلى استخدامها (في أغلب الحالات) أكثر من سبعة أيام. أما الأدوية التي يمكن أن تقتل الفيروسات فإنه لا يمكن استخدامها في علاج الأمراض الفايروسية من نوع RNA، مثل الإنفلونزا وضعف المناعة المكتسب والتهاب الكبد الوبائي جيم، لأنها أيضاً تقتل الخلايا الإنسانية التي تعتمد عليها الفيروسات في التكاثر، وهذا يعد من أسباب عدم اكتشاف أدوية فاعلة لعلاج تلك الأمراض. فأهم الأدوية المستخدمة حالياً في علاج الإنفلونزا تعتمد على منع تكاثر الفيروس وذلك عن طريق تثبيط إنزيم Neuraminidase الموجود على سطح الفايروس الذي من حرفه الأول أُخذ مصطلح N (N1,N2,N3) حيث يعتمد عليه الفيروس في التكاثر بالاستفادة من خلايا الجسم الإنساني أو الحيواني، لذا فإن الفايروس يعد متطفلاً من الدرجة الأولى. ومن أهم الأدوية التي تعمل بهذه الآلية وأكثرها استخداماً،دواء تامي فلو Tamiflu.
فالسؤل المطروح: ما الجدوى من استخدام تامي فلو الذي أصبح كثير من الأطباء يصفونه لأي مريض مصاب بالإنفلونزا أو حتى في الوقاية منها؟ فلو افترضنا أننا نريد استخدامه للوقاية من الإنفلونزا، فإن ذلك يستوجب أن يداوم الأصحاء وعلى فترة طويلة على أخذ هذا الدواء (الذي يعد من الأدوية المكلفة)، وهذا الاستخدام لا يعتبر منطقياً وغير مقبول علمياً، وقد يؤخذ الدواء لفترة محددة (5-7 أيام)، مثلاً كالذهاب إلى الحج، فهذا أيضاً وإن استخدمه البعض إلا أنه لا يوجد دليل على استخدامه بهذه الطريقة، لأن هذا الأسلوب سوف يقلل من كفاءة الدواء ويرفع من مقاومة فيروس الإنفلونزا لهذا الدواء، وهذا ما حصل فعلاً في دراسات كثيرة عندما اُستخدم تامي فلو للوقاية من الإنفلونزا الموسمية، كما أن هنالك تقارير جديدة صدرت في شهر سبتمبر الماضي حول ظهور مقاومة فيروس N1H1 لعقار التامي فلو في أمريكا واليابان وبعض الدول الغربية، حيث من أهمها ما نشر في مركز السيطرة على الأمراض في أمريكا CDC من ظهور تلك المقاومة الفيروسية وضعف تأثير دواء التامي فلو، وذلك بعد ظهور أعراض مرض إنفلونزا الخنازير على حالتين من أصل 600 من الأصحاء في مخيمين صيفيين في مدينة شمال كارولينا الأمريكية. إلا أن مما يجب الإشارة إليه يفضل استخدام دواء التامي فلو عندما يتعرض شخص للاتصال بمريض وُجد أنه مصاب بذلك الفيروس وهذا ينطبق على العاملين في المجال الصحي، ولكن لا تزال الجدوى محدودة وهنالك مكان للمقاومة كالتي حصلت في المخيمات.
أما استخدام تامي فلو لعلاج حالات الإنفلونزا فإنه قد يكون أكثر جدوى من استخدامه في الوقاية، ولكن أكثر التوصيات أنه يفضل إعطاؤه للمصاب خلال اليومين الأولين من الإصابة بالمرض لتقليل تكاثر الفايروس ومن ثم تخفيف أعراض المرض، خصوصاً على الجهاز التنفسي، فخلاصة القول إن استخدام المضادات الفيروسية في علاج إنفلونزا الخنازير أو الوقاية من الإصابة لا يزال محدود الجدوى، وذلك لبروز المناعة ضد تلك الأدوية مع كثرة الاستخدام، ولكن ما زالت شركات الأدوية تعطي صورة تختلف تماماً عن واقع تلك المستحضرات، كما أتمنى ألا يصرف لمريض إلا بموجب وصفة طبية، حتى نحافظ على كفاءة الدواء.
