لم يمر على العالم مرض أعجب من مرض إنفلونزا الخنازير، فهذا المرض الذي ظهر فجأة، ودون أية مقدمات، حظي بتغطية إعلامية كبيرة كانت في بعض جوانبها أحد عوامل بث الرعب بين الناس، على الرغم من تأكيد كثير من الأطباء أنه مرض لا يختلف كثيراً عن الإنفلونزا الموسمية التي تصيب سنويا مئات الآلاف من البشر، بل وتأكيد الأطباء أنه أخف كثيراً من مرض إنفلونزا الطيور الذي لم يحظ بجزء مما حظي به هذا المرض من اهتمام.
وكان سبب هذا الخوف الذي اجتاح العالم ما بثته منظمة الصحة العالمية من تقارير عن هذا المرض ومتابعتها لانتشاره وما ينتج عنه من وفيات، وتناقل وسائل الإعلام هذه التقارير بشكل بث الرعب بين الناس، وكان نصيب منطقتنا العربية من هذا الخوف نصيب الأسد، بعكس كثير من الدول الغربية التي كانت ردة فعلها طبيعية، بحيث تدخل مطارات تلك الدول وتتجول في أسواقها دون أن ترى من يلبس كمامة، أو يتحدث عن هذا المرض.
ومن الغرائب التي صاحبت مرض إنفلونزا الخنازير أن البعض كان ينتظر اللقاح بفارغ الصبر، وكانت أخبار إنتاج اللقاح مبعث أمل لدى كثيرين، ثم فجأة وبمجرد أن اقترب موعد إنتاج اللقاح ثارت الشكوك وبدأت وسائل الإعلام تبث تقارير وتصريحات تتحدث عن خطورة هذا اللقاح، بل تتحدث عن وجود مؤامرة تقودها شركات تقف خلف مرض إنفلونزا الخنازير وخلف إنتاج اللقاح، فكان أن أصبح من ينتظر اللقاح بفارغ الصبر يعيش في خوف منه أشد من خوفه من إنفلونزا الخنازير.
وإذا تجاوزنا ما يجري من حديث عن اللقاح إلى سلوك الناس وتعاملهم مع المرض، وجدنا أن البعض أصابهم ما يمكن أن يسمى رهاب إنفلونزا الخنازير، حيث إن هناك من يصاب بالذعر من رؤية أي إنسان يعاني إنفلونزا عادية، أو يصاب بعطاس مفاجئ، والبعض أصبح يتحاشى التجمعات خوفاً من أن يكون بين الناس من هو مصاب بهذا المرض، بل إن البعض لم يحرص على إرسال أبنائه إلى المدارس خوفاً من المرض، رغم الاستعدادات التي اتخذت قبل بدء الدراسة وتأكيدات وزارتي التربية والتعليم والصحة هذه الاستعدادات.
ومع توصيات الجهات الصحية باستعمال المعقمات لتفادي انتقال المرض، تدافع الناس لشراء هذه المعقمات، وأصبح من المألوف أن ترى من يكرر تنظيف يديه بالمحلول المطهر بشكل مستمر، وفي فترات متقاربة، ودون أن تمس يده أحدا، وهذا أمر إضافة إلى ما قد يحدثه من آثار صحية، قد يتحول مع مرور الزمن إلى وسواس قهري يحتاج إلى علاج.
هذا المرض الذي أرعب العالم كان مصدر تجارة رابحة لمنتجي وبائعي المعقمات والمطهرات، وقبلهم شركات الأدوية التي تتسابق على طرح لقاح إنفلونزا الخنازير، وكذلك بعض المستشفيات التي لم يتوان أحدها عن إعلان وجود اللقاح وقبل طرحه في الأسواق.
