الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

سمعة الحروب الحديثة وهشاشة البناء على أمجادها!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الأحد 25 أكتوبر 2009 0:53

على مرّ التاريخ، لم تكن الحروب بديلا عن الحوار، بل لم تكن أبدا جزءا من الحل، وإنما كانت ضرورة وقتية لدفع أطراف النزاع للقبول بالحوار .. حتى تلك المعارك التي أنجزت بعض الانتصارات على المستوى العسكري .. ظلت فاعليتها كأداة حلّ مربوطة ببقاء تلك القوات في حالة تأهب دائم، لأن فواتير الحرب غالبا ما تكون أكبر من قدرة المجتمعات على دفعها.

وحينما كانت الولايات المتحدة في غمرة استعداداتها لحرب الخليج الثانية، كان الجنرال كولن باول، والذي كان يقف على رأس الخارجية الأمريكية، يجهد في الشرح على الصور في مجلس الأمن .. من أجل إقناع الرأي العام الدولي بوجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق، في محاولة لتبرير مشروع الحرب، وحينما ترك الخارجية الأمريكية لخلفه الدكتورة كوندا ليزا رايس .. لم يتوان عن الظهور مباشرة إلى العلن ليؤكد أن تلك الحرب كانت غلطة لأنها اعتمدت على تقارير استخباراتية غير دقيقة، ما يعني أن مشروع الحرب سرعان ما يفقد مبرراته، خاصة حينما تبدو آثار نتائجها المروعة أكبر من مبررات حدوثها.

وقد يكون من المسلم به أن السياسة في معظم أحوالها، لا يُمكن تبرئتها من لغة المصالح، لكن انجرارها للحرب غالبا ما يكشف عن أن تلك المصالح مهما كانت فإنها تبقى أقل بكثير مما تتركه الحرب من آثار مدمرة على السلم الدولي، وعلى المجتمعات، ما يجعل منها بابا من أبواب الجحيم يصعب إغلاقه. حيث تستمر تداعياته على مدى عقود طويلة نسبة للضغائن التي تسيل مع الدماء لحظة اندفاع الآلة العسكرية الصماء. وهنا يختلط كل ما هو سياسي بكل ما هو عسكري، بحيث تنغلق كل الآفاق المتاحة للحلول أمام شهوات الانتقام أو المغامرة في البحث عن الحسم من جهة الطرف الذي يعتقد أنه يمتلك معايير القوة.

في أفغانستان الصورة ذاتها، وإن كانت بمواصفات شكلية مختلفة نوعا ما، إذ لم تستطع القوة العسكرية رغم كل تقنياتها المهولة أن تحسم الأمر، لأن أي حرب مهما كانت تعتقد أن باستطاعتها أن تحمل الحل النهائي على أذرعتها العسكرية لا بد أن تنتهي إلى النتيجة ذاتها، مما يجعل من تبناها أول المتبرئين منها، والأنباء التي تحدثت عن رغبة المبعوث الأمريكي لأفغانستان ريتشارد هولبرك في ترك منصبه بعد تردي الأوضاع في أفغانستان نتيجة التركيز على الخيار العسكري، لأنه لا يُريد أن يشوه سمعته بسبب الفشل في أفغانستان، بذريعة أنه قد يكون وزير الخارجية الأمريكي القادم .. تكشف عمق الأزمة في تبرير الحرب ونتائجها، مثلما تكشف عن اختلاط ما هو سياسي بما هو شخصي، بحيث يصعب على من يسعى لأي مطامح سياسية أن يجد ضالته في استثمار نتائج الحرب، لأن تلك النتائج مهما كانت، ومهما أنجزت فإنها في النتيجة ملطخة بتلك الدماء التي سالت، وبالتالي لا أحد يُريد أن يبدأ رصيده السياسي من النقطة التي نزفت فيها شلالات الدم بفعل الآلة العسكرية.

وحتى من يملك قرار الحرب لا يستطيع أن يبرر نتائجها، لذلك هو غالبا ما يهرب إلى الأمام بالزعم من أنه لولاها لكان الواقع أكثر سوءا، وهذا ما حاول تأكيده الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش (الابن) في سياق ردوده على خياراته العسكرية في كل من أفغانستان والعراق، بمعنى أن الرهان هو على الاحتمالات لا على الوقائع، لأنه يعلم أنه لا أحد يستطيع أن يحتكم بموضوعية إلى الاحتمالات التي قد تصح وقد لا تصح، لأنها أمور تقع في ضمير الغيب. لكنها تشكل لمن يُقرر الحرب ملاذا آمنا للهروب من نتائجها الكارثية وغير المحسومة.

وهذا ما يُبقي السؤال قائما عن مدى طغيان الشعور بالقوة وتأثيره في اتخاذ قرار الحرب ومن ثم صوابيتها كحل نهائي ووحيد، خاصة ونحن نشاهد كيف يُحاول كل من يقف في سدة المسؤولية التملص من سوء سمعتها في بناء أو ترميم سمعته السياسية كما يفعل هولبرك الآن وفق بعض المصادر .. لأن منطق الحروب القديمة التي كانت تقدم قادتها المنتصرين كفرسان، لم يعد قائما في ظل تعدد المكاييل، واختلاط الأيديولجيات والمصالح والمطامع والمنافع بأدبيات الحرب ولو في حدها الأدنى، مما يزيد من اتساع الشرخ ما بين قوى المواجهة، ويفتح نزاعاتها على مزيد من التأزيم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية