صروح التعليم، ومنابر المعرفة، ركائز أساسية في معدلات البناء، وأركان التنمية، بل هي القاعدة التي يقوم عليها نهوض الإنسان، وتبنى عليها مصادر قوته وتفوقه في مضمار السباق الحضاري، والتنافس الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لارتباطها بالإنسان، محور حركة البناء، ومصدر قوة دفعها، باعتباره الغاية المبتغاة من حيث الهدف النهائي لعملية التنمية بمفهومها الشامل.
لذا تبدو مسألة الالتفات لبناء الجامعات، وإنشاء صروح العلم المختلفة بمثابة توجه صائب لتدعيم أرضية البناء بمختلف أوجهها ومساراتها، حيث لا تنمية في غياب التعليم، ولا عائدات لهذه التنمية من دون حاملي العلم والمؤهلين، فالتنمية المستدامة تتحقق من خلال تأهيل الفرد ليكون قادرا على مواجهة الحياة من موقع قوة واقتدار، وكذلك إيجاد فرد متميز ولديه من الإمكانات العلمية والتقنية ما يجعله يتجاوز التحديات ويقهر الصعاب التي قد تعترض مساره في الحياة. لعلنا من خلال طرح هذه الفكرة نجد أن أنظارنا وعقولنا وأفكارنا تلفتنا وتقودنا إلى طريق إجباري لنقف أمام أحد أبرز صروح العلم ومنارات المعرفة المتميزة في هذا العصر، ألا وهي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، هذه الهدية القيمة التي قدمها خادم الحرمين الشريفين إلى الشعب السعودي والمسلمين والإنسانية كلها، في يوم عظيم يمثل الروح الوطنية وذكرى العزة والكرامة، في ذكرى اليوم الوطني الذي يرمز إلى قيام هذا الكيان الكبير«المملكة العربية السعودية» على يد باني الدولة الحديثة المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود - طيب الله ثراه - هذه الهدية الغالية جعلت بلادنا تعيش مفهوم يوم الوطن بنكهة جديدة وطعم خاص، وتعيش أمجاد حضارة الإسلام وهي ترفد الحضارة الإنسانية بهذا الصرح العملاق، ولا شك أن جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ستكون لها مساهمات ملموسة على صعيد تطوير التعليم العالي محليا وإقليميا ودوليا، وتسهم في التقدم العلمي والتقني، والارتقاء بمكانة المملكة في مختلف المجالات المتعلقة بالعلوم والتقنية وفي مختلف المحافل. لقد أحسن المليك الاختيار وهو يحدق ببصره وبصيرته النافذة نحو الأفق البعيد، ليهدي شعبه والإنسانية شيئا قيما يمكن أن يمتد أثره للأجيال القادمة ويرفد به النهوض والبناء ليس على مستوى المملكة وحسب بل أيضا على مستوى العالم، فاختار العلم والتحفيز على الإبداع والابتكار والبحث العلمي، حيث إن الجامعة بتميزها وخصوصيتها ستسهم - بلا شك - في استقطاب العلماء المميزين وترعى الطلاب الموهوبين، في شتى ضروب المجالات المعرفية.الجامعة الفريدة في مكوناتها ومحتواها وإدارتها ومناهجها، تشكل خدمة للبيئة والتنمية والمجتمع، وتمثل نبراسا للجامعات السعودية في نشر الثقافة الأكاديمية والأسس الإدارية الحديثة والعلوم التقنية المتجددة، وهي منجز تاريخي بكل المقاييس، وصوت حق وعقل انطلق من أرض الحرمين الشريفين، مثلما انطلق نور الهدى ليضيء الجزيرة العربية ومن ثم المعمورة قاطبة، وهي بمنهجها وهدفها وغاياتها لغة سلام ومؤشر علم وتقدم يحلق بالعقل السعودي والفكر الإسلامي في فضاءات الكون الفسيحة ليحدث العالم عن انبعاث حضارة الإسلام مجددا من مملكة الإنسانية، مملكة العدل والعلم والإيمان.
لقد وفق سيدي خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - في إنفاذ هذا الصرح الكبير في هذا الزمن الذي تعاني الدول من تبعات الأزمة المالية العالمية، في دلالة واضحة على مكانة العلم والعلماء في نفس خادم الحرمين وفي فكره ورؤيته وسياسته - حفظه الله .
لا يختلف اثنان، أبدا في أي مكان في العالم، على أن جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، هي حدث العصر، وحديث الإعلام، ومنجز الساعة، وأنها صرح جاء تتويجا لمنجزات التعليم العام والعالي التي جعلت عصر الملك عبد الله هو عصر العلم والتقنية، لكن لا ينبغي للبعض أن يستبق الأحداث ليصدر أحكاما مسبقة على توجه الجامعة ويطلق بعض الشائعات حول منهجية التعليم فيها، ممن حاولوا - عبثا - التقليل من قدرها بإطلاق شائعات الاختلاط، وبناء افتراضات، وإصدار أحكام بشأنها، وكل هذا لا يليق بهدية المليك الغالية، ولا بحرص خادم الحرمين على الإنسان السعودي بأن يقدم له في يوم الوطن هذا الصرح الشامخ، لتزداد بلادنا شرفا باحتضانها واحدة من أميز الجامعات العالمية، فليكف الذين يثيرون الغبار وسط فرحة الأمة بهذه الجامعة الحديثة، وليحمدوا الله على نعمه وآلائه التي منها أن من الله علينا بقيادة رشيدة تدرك الاحتياجات الفعلية للمسلمين وتضع يدها الطاهرة على موضع الألم وتصف العلاج الناجع، قيادة تضع نصب عينيها مصلحة المواطن والوطن ومصلحة عامة المسلمين، حمى الله بلادنا وأمننا واستقرارنا وحكومتنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني - حفظهم الله .

