لقد سيطر هاجس الأمن الغذائي على عقول كثير من الدول إن لم يكن كل دول العالم خلال سنة 2008 حينما ضربت أزمة الغذاء العالم أجمع من خلال ارتفاع أسعار كثير من المواد الغذائية إلى مستويات قياسية لم نشهدها من قبل، وأضحت عدد من دول العالم عرضة لكثير من الاضطرابات.
لذا بادرت هذه الدول بل وحتى الغنية منها مثل اليابان وغيرها باستنفار أجهزتها الحكومية والشعبية لمواجهة هذه الاضطرابات غير المسبوقة من خلال العمل على وضع الخطط والاستراتيجيات القصيرة والطويلة المدى لمعالجة هذا البعبع العالمي الذي لامس بطون الشعوب في أبسط حاجاتهم الإنسانية فبادرت الدول المصدرة للغذاء بوضع أنظمة عاجلة تمنع أو تقنن تصدير ما تزرع كما حصل في الهند وفيتنام ومصر وغيرها من منع تصدير بعض أنواع الأرز ووضع حد أدنى لسعر التصدير للأنواع الأخرى. وفي المقابل بادرت الدول المستوردة بوضع أنظمة عاجلة لمنع انتشار عدوى جنون الأسعار من خلال دعم أصناف معينة من الطعام كما حدث لدينا في المملكة من دعم للرز وزيادة الدعم لحليب الأطفال وكما حدث في ماليزيا والفلبين وغيرهما من دعم مماثل للرز وزيوت الطعام وغيرها، كما أتبعت دول أخرى آليات أخرى للسيطرة على مستويات أسعار المواد الغذائية الأساسية، ولعل المقام يتسع في المستقبل القريب، إن شاء الله، للحديث بشيء من التفصيل عن هذه الآليات ومدى نجاح كلٍ منها. إلا أنني أود في هذه العجالة أن أتحدث عن استراتيجيات الأمن الغذائي للمدى الطويل والتي تتمثل في محورين أساسيين هما:
- الخزن الغذائي الاستراتيجي وهو ببساطة المحافظة على مستوى كافٍ من الغذاء لحاجة البلد لفترة زمنية محددة.
- تأمين حاجة البلد الغذائية من خلال الاستثمار الزراعي في البلدان الزراعية.
وسأحاول في مقال قادم، إن شاء الله، التوسع في شرح ونقد هذين المحورين إلا أنني أود أن أتحدث هنا عن ركيزة استراتيجية الأمن الغذائي الرئيسة وهي التوجيه الرباني الحكيم في سورة الأعراف في قوله تعالى «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» فهو المرتكز وحجر الزاوية لنجاح أي استراتيجية للأمن الغذائي للعالم قاطبة وليس لبعض دوله فحسب.
فهاهي الدول المتقدمة تضرب لنا الأمثال في مدى تفشي هذا المرض فيها، فاليابان مثلاً ترمي في القمامة سنوياً أكثر من المعونات الغذائية العالمية وهي البلد المشهور بنظامه أما أمريكا فإن دراسة قامت بها جامعة أريزونا في 2004 تقول إن الشعب الأمريكي يلقي في القمامة ما يعادل 14 و 15 في المائة من مشترياته من الغذاء دون حتى أن يلمسها، دع عنك ما يُلقى من فضلات الطعام. وقدرت هذه الدراسة قيمة هذا الطعام بما يعادل 43 مليار دولار وبعض الدراسات الحديثة في أمريكا تقدر ما يلقى من غذاء في القمامة بما يعادل 100 مليار دولار! أما بريطانيا فإن الدراسات هناك تقدر ما يلقى في القمامة بأكثر من عشرة مليارات جنيه استرليني! أما ما يلقى لدينا من طعام فلا أظنه يقل بأي حال من الأحوال عن 25 في المائة من مشترياتنا الغذائية والتي لا تقتصر على المواد الأساسية من رز وخبز وما شابهها ولكن تشتمل على لحوم وغيرها التي تستهلك الكثير من الغذاء ليتم تسمينها وذبحها لنتمتع بأكلها ولعل هذه النسبة تزيد إذا ما أخذنا في الحسبان ما نلقيه بعد ولائم الأعراس وغيرها.
هل لنا أن نتصور مقدار الضغط الذي نستطيع أن نقلله ومن ثم التوازن في العرض والطلب على المواد الغذائية بمجرد اتباع هذا التوجيه الرباني وهل لنا أن نتصور كم سينتج من هذه الاستراتيجية من خفض للأسعار؟ ألا يجدر بنا كأفراد ومؤسسات شعبية وحكومية أن نبادر بوضع الآليات المناسبة لنجاح «أم الاستراتيجيات»؟ أليس الاستثمار في هذه الاستراتيجية أجدى من غيرها سواء كانت خزن استراتيجي أم استثمار زراعي خارجي؟
أسئلة ملحة لعلها تثير فينا الفكر وتحرك فينا العقل وتدفعنا للعمل على تغيير بعض عاداتنا الغذائية فيما يرضي ربنا وينفع، ليس بلدنا فحسب وإنما العالم أجمع.
