في الأسبوع قبل الماضي عقد في الرياض مؤتمر الناشرين العرب الأول، وتحدث المشاركون في المؤتمر عن التحديات الكبيرة التي تواجه صناعة النشر، إلا أن ما استوقفني كثيرا هو حديث الأستاذ حمد القاضي عضو مجلس الشورى في ورقته التي قدمها إلى المؤتمر التي تحدث فيها عن تجربته في مجال النشر، حيث أشار إلى أنه انسحب من هذه التجربة بعد نشره كتابين فقط .
وقال القاضي إنه كان قبل أن يمر بالتجربة القصيرة والمتواضعة في عالم النشر من الذين يجزمون بأن الناشرين ظالمون للمؤلفين، ولكن بعد خوض التجربة التي لم تتجاوز السنة، وخرج منها، وجد أن الناشر هو الآخر مظلوم، لأن كليهما ''المؤلف والناشر'' لا يجدان القارئ الذي يقبل على بضاعتهما فيبتاعها ويحتفي بها مهما كانت هذه البضاعة الثقافية، مشيرا إلى أن تجربته في دار القمرين لم تتجاوز نشر كتابين لمعالي الدكتور عبد العزيز الخويطر ومعالي الدكتور غازي القصيبي، وأن التوزيع لم يتواكب مع مكانة الكاتبين الكبيرين.
وارجع القاضي السبب إلى انشغال القارئ وتحديات النشر الإلكتروني وهجوم البث الفضائي على وقت الإنسان.
وإذا كان من المؤسف أن نرى كاتباً مثل الأستاذ حمد القاضي يتراجع عن النشر على الرغم من تبريره ذلك بأن النشر يحتاج إلى وقت وجهد لا يملكهما، إلا أن ما أرى أنه سبب في خروج حمد القاضي من مجال النشر ليس الأسباب التي ذكرها القاضي في ورقته فحسب، وإنما لأن القاضي دخل هذا المجال بعقل وفكر المثقف، وليس بعقل التاجر الذي يضع المادة هدفاً أول للنشر، ولهذا ترى بعض الناشرين يبحث عن كل غريب وعجيب من الكتب التي تتناول موضوعات متنافرة لا يجمعها إلا جانب الإثارة، فمن كتب التخسيس والطبخ إلى كتب الأزياء والشعر الشعبي وصولا إلى كتب مترجمة تريد أن تقنع الإنسان أنه بقراءة كتاب سيحل كل مشكلاته ويتحول إلى مليونير يدير عشرات الشركات . وهذه الكتب بالطبع يكون مكانها مقدمة المكتبات، وتنشر عنها الإعلانات بطريقة تدفع القارئ للبحث عنها واقتنائها رغم ارتفاع أثمانها.
أما الكتاب الجاد فمكانه في الرفوف الخلفية، ولا يحظى بأية دعاية أو تعريف، هذا إذا لم يكن مكانه مستودعات شركات النشر والتوزيع.
وعلى الرغم من تأثير وسائل الإعلام المختلفة في وضع الكتاب، ومن أبرزها البث الفضائي، إلا أن هذا لا يعني أننا شعب غير قارئ، والدليل أن معظم دور النشر العربية لا ترى نجاحاً لها إذا لم توزع داخل المملكة، ومعارض الكتب التي تقام في المملكة شاهد على ذلك.
النقطة المهمة التي يجب التركيز عليها، وهي أبرز أسباب تراجع الكتاب وأشار إليها الأستاذ حمد القاضي في ورقته هي غياب الإعلام عن التعريف بما يصدر من كتب، فهذا الجانب غائب بشكل كبير في أجهزة الإعلام المختلفة، وكذلك في وسائل الإعلان في الشوارع والطرقات، فلا تعريف بالكتاب ولا حديث عن آخر الإصدارات، ما عدا ما ينشر في بعض الصحف.
إذاً ما يحتاج إليه الكتاب السعودي هو أن يكون متاحاً للقارئ في المكتبات سواء عبر دور النشر المحلية، أو عبر ما اقترحه الأستاذ حمد القاضي من إنشاء دار نشر كبيرة يتم دعمها ماديا من الحكومة، بحيث لا يكون الربح هو هدفها الأساس، وأن يُعرّف القارئ بالكتاب السعودي عبر مختلف الوسائل، ولعل قيام وزارة الثقافة والإعلام باقتطاع جزء يسير من قيمة الإعلان التلفزيوني حتى لو كان 1 في المائة للصرف على التعريف بالكتاب السعودي، سواء عبر برامج تعنى بالكتاب، أو عن طريق الإعلان عن الإصدارات، سيكون له مردود كبير في دعم الكتاب وإيصاله إلى القارئ.
