الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

شكراً لإنفلونزا الخنازير!!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"،
عبدالقادر بن عبدالرحمن الحيدر
الاثنين 19 أكتوبر 2009 4:6

لقد علّمتنا إنفلونزا الخنازير أنها أقل ضرراً وشدة من أختها الإنفلونزا الموسمية، التي كانت تقتل سنوياً في العالم ما يقارب نصف مليون من البشر، ولكن لم يكن هنالك رصد لها، لذا فهي تذكرنا أن نعرف (بعيداً عن زوبعات الإعلام) من هو العدو الحقيقي الذي يجب أن نخشاه، وما أهم أولوياتنا، فقد نُشغَل ونَنشَغِل بأمور صغيرة، حتى نَنسى أو بالأحرى نُنُسى عما هو أكبر وأعظم، كما تعلّمنا من هذا الوباء دروسا كثيرة، أهمها أن فيروس الإنفلونزا بصورة عامة قد يختلف عن غيره من الفيروسات، فهو دائما يحب التغيير في شكله الخارجي، لذا فكل عام إن لم يكن كل فصل، يأتي لنا بثوب جديد، يُمَكِنه من دخول الجسم ولا يستطيع الجهاز المناعي أن يتعرف عليه، لذا فكل سنة نحتاج إلى نوع خاص من التطعيم لأصحاب الأمراض المزمنة ومن لديهم ضعف في المناعة، حيث لم يعد لتطعيم العام الماضي أي جدوى، فهذه بضاعة يكسب بها شركات الأدوية والمتنفذون كثيرا من أرزاقهم، ولكن بفضل الله ونعمه علينا وعلى الضعفاء في العالم، فإن الغالبية من الناس يستطيعون مقاومته والقضاء عليه، أو على الأقل تحمل تفاعلاته في الجسم، وتتكون لديهم مناعة ذاتية، بدون الحاجة للتطعيم الذي قد لا يتمكنون من الحصول عليه.

ولقد تعلمنا من إنفلونزا الخنازير كيف نزرع الوعي بين الناس في الوقاية من الأمراض المعدية، فنجد الصغير والكبير، والمتعلم والجاهل أصبح يتجنب العطس أمام الناس، ويغسل يده بعد كل عطس ولا يضع يده في عينه أو فمه إلا بعد التأكد من نظافتها، كما لم يعد رمي المناديل من السيارة أو البصق في الشارع من الظواهر المقبولة.

وقد علّمت إنفلونزا الخنازير، بل وثَقفت المواطن في التقيد بالنصائح الطبية، التي عجز الأطباء من تكرارها لمرضاهم، في البقاء في بيوتهم طالما أن لديهم أعراض المرض، وعدم الاقتراب من الأشخاص الأصحاء، كما علّمتهم متى يذهبون من بيوتهم إلى الإسعاف، فكلهم بدأ يعرف أن صعوبة التنفس وتسرع نبضات القلب والحرارة المرتفعة التي لا تستجيب للبنادول، كلها مؤشرات تستوجب التوجه الفوري للإسعاف.

ولم تكتف إنفلونزا الخنازير بتعليم وتثقيف المواطن العادي، بل إن تعليمها وصل إلى وزارة الصحة في المملكة، بل حتى المؤسسات الصحية في جميع دول العالم، فقد ارتفعت درجة العناية والاهتمام في علاج حالات الإنفلونزا، فقد كان كثيرا من المرضى يعانون، بل قد يتوفى بعضهم لعدم المعالجة الجيدة لجهاز التنفس، حيث هو الموقع الذي يستطيع فيه الفيروس التكاثر وحدوث الالتهابات، التي تجعل التنفس صعباً وتسبب للمصاب الأعراض التي تقعده وتفقده حيويته. لذا فقد وجدنا تطوراً نوعياً في الخدمات المقدمة من القطاعات الصحية (أرجو أن تستمر!!)، حتى أصبحت الوفيات من مضاعفات الإنفلونزا شبه نادرة.

ولقد عَلمت تلك الإنفلونزا وسائل الإعلام الحيادية وعدم التحيز لفكر أو رأي خاص، فقد تناول الموضوع المرجف والمعتدل، ولكن تُرك الأمر لمن يأتي بدليل لما يراه، فقد نكون قد تعلّمنا من ذلك أن نجاح أي أمة يكمُن في فسح مجال النقاش المنطقي البعيد عن التحزب والإصرار على الرأي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عَرف المواطن العادي إيجابيات وسلبيات التطعيم، لذا فقد تُرك له الخيار في تطعيم نفسه أو من يعول.

وختاماً فقد تعلّمنا من هذا المرض كثيرا من الظواهر الصحية، قد يكون من أهمها زرع روح الاستعداد لمواجهة الأزمات، بل حتى معرفة أسبابها. لذا فقد كانت نِعم المعلم فلها منا جزيل الشكر، كما أتمنى ألا ننسى تلك الدروس والعبر كما نسينا كثيرا من قضايانا المصيرية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية