جامعة الملك عبد الله من معالم التنمية

|
تناولت المقالات والتعليقات العديدة جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية, معددة ميزات هذا الصرح العلمي الفريدة والآمال الكبيرة المعقودة عليها، جنبا إلى جنب مع التحديات التي يجب مواجهتها لكي تتحقق هذه الآمال. وقد تكون الميزة الأهم لهذه الجامعة أنها الأولى من نوعها، ليس في السعودية فحسب بل في العالم العربي الأوسع، بكونها مركزا للبحث العلمي والتطوير بخلاف الدور الأساسي للجامعات الحالية. إذ إن ما توفره جامعات المنطقة من دراسات متقدمة، درجة الدكتوراة وما بعدها، في معظم المجالات العلمية والهندسية لا يزال محدودا. وهذا الوضع يحد من قدراتها على البحث العلمي والتطوير الذي يضطلع به عادة تلامذة الدراسات العليا تحت إشراف أساتذتهم العلماء والباحثين. وبالتالي فإن النظر إلى جامعة الملك عبد لله للعلوم والتقنية من خلال دورها كمركز للبحث العلمي والتطوير ينقلنا من إطار التعليم العالي ودوره في التنمية البشرية إلى إطار آخر يتعلق بعملية نقل التقنية وتوطينها. حيث يعد النجاح في توطين التقنية وإنتاجها أمرا حيويا لاستدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن الأبعاد الحضارية والثقافية والإنسانية لعملية إنتاج المعارف العلمية وابتكارها. وإن كانت العقود الثلاثة ونيف الماضية قد شهدت عملية نقل نشطة للتقنية استوجبتها عملية التنمية الاقتصادية، فإن مدى أقلمة التقنية وتوطينها لا يزال محدودا. وقد كانت الرغبة السامية في تصحيح هذا الوضع وراء دعوة خادم الحرمين الشريفين، منذ بضع سنوات، العالم العربي إلى العمل على سد العجز التكنولوجي من خلال رفع الإنفاق على البحث العلمي إلى مستوى لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من مستوياته الحالية المتواضعة. حيث إن البحث والتطوير العلمي هما السبيل الوحيد لتوطين التقنية وإنتاجها، الذي يعد بدوره ضروريا للمحافظة على مكتسبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق نموها واستمرارها. وما إنشاء الجامعة إلا خطوة أولية مهمة في إطار هذا التوجه، وإعلان عملي عن ولوج مرحلة أساسية من مسيرة التنمية. ويؤكد مركزية البعد البحثي والتطويري للجامعة تكليف شركة أرامكو السعودية بمسؤولية إنشائها وإدارتها وتطويرها, حيث إن مغزى ذلك لا يقتصر على قدرة هذه الشركة الوطنية العريقة على إدارة وتطوير المشاريع الكبيرة والمبادرات الصناعية المتقدمة، مع أهمية ذلك، بل يتعداه إلى كون “أرامكو” تمثل أكبر قطاع اقتصادي في المملكة، وأقدم القطاعات استخداما لمنتجات التقنية المتقدمة, الأمر الذي يوفر لها الخبرة المطلوبة لإدارة هذه الجامعة بكفاءة لتتبوأ مكانها المناسب والمأمول ضمن المنظومة العلمية والتقنية الوطنية والإقليمية. يتمثل الهدف الرئيسي لعملية البحث العلمي والتطوير في بعده التنموي الاقتصادي في دعم وتطوير الصناعات المتقدمة ذات الكثافة المعرفية والقيمة المضافة العالية، من خلال تحسين قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية. وتمثل القطاعات الاقتصادية المستخدمة والمستهلكة للمنتجات التقنية مثل النفط والغاز و البتروكيماويات والاتصالات والكهرباء والتحلية وغيرها، سوقا محلية ممكنة للطلب على تلك المنتجات, وبالتالي تعد هدفا للصناعات الوطنية المتقدمة القائمة والتي ستقوم في المستقبل، وقاعدة انطلاق لها نحو الأسواق الخارجية. إنه من خلال قيام هذه الصناعات المتقدمة يتوقع تحقيق هدف تنويع القاعدة الاقتصادية والنمو المستمر على المدى الطويل. وليس من الصدف أن يكون قطاع النفط والغاز هدفا لعملية التنويع ووسيلة لها في آن معا. في جانب آخر، يعد قيام شركة وطنية قادرة بتطوير وإدارة هذا الصرح العلمي والبحثي المتميز، بمثابة رسالة إلى جميع الشركات الوطنية القادرة، حول الدور المنتظر منها في المساهمة في عملية بناء قدرات البحث العلمي والتطوير. حيث إن المسؤولية الأساسية في هذا المضمار تقع عليها وعلى القطاع الخاص بشكل عام، ولا يقتصر على الدولة التي يجب أن يبقى دورها داعما ومحفزا. ولا يعني ذلك قيام جميع هذه الشركات بإنشاء جامعات مماثلة، إلا أن إنشاء مراكز بحث وتطوير في إطار علاقة تكاملية مع قطاع التعليم العالي قد يكون عائده الذاتي والوطني مجديا جدا, خاصة إذا أدى بالجامعات القائمة إلى توسيع وتعميق الدراسات العليا المتقدمة وتطوير أنشطتها في البحث العلمي والتطوير. بينما يكون العائد للشركات الوطنية تحسنا في قدراتها التنافسية التي تمكنها من توسعة أسواقها وتنمية أرباحها. وأخيرا، يجدر النظر إلى جامعة الملك عبد لله للعلوم والتقنية، من خلال ورشة التطوير الشاملة المستمرة لقطاع التعليم الذي يقودها خادم الحرمين الشريفين والتي تشكل الإطار الموضوعي لها. حيث إن هذه الجامعة تأتي على قمة الهرم التعليمي المكون من طبقات تماثل مراحل التعليم المختلفة، بدءا بمرحلة الحضانة، ومرورا بمراحل التعليم العام، وصولا إلى المراحل المتقدمة من التعليم العالي. حيث تشكل كل مرحلة قاعدة الأساس للمرحلة التي تليها صعودا حتى قمة الهرم. وبالتالي فإن هذا الترابط والتكامل بين المراحل يؤكد أهمية شمول عملية التطوير جميع المراحل واتساقها زمنيا. إن بناء منظومة متقدمة للبحث العلمي والتطوير، تماثل تلك في الدول المتقدمة, يتطلب تحقيق هذه الندية في جميع مراحل عملية التعليم وأبعادها المختلفة.
إنشرها