هناك جهود كبيرة بذلتها الجهات المعنية لاسترداد المحتالين الذين مارسوا الاحتيال على عدد من المواطنين والمقيمين, وتم بالفعل استعادة بعضهم فقد زينت لهم أنفسهم أنهم بمجرد الهرب إلى الخارج قد نفذوا من العقاب والمساءلة وهذا الظن في غير محله فهناك اتفاقيات دولية وتعاون أمني لتبادل تسليم المطلوبين في قضايا جنائية, ولأن بعض أصحاب المساهمات الفاشلة قد تواروا عن الأنظار وحملوا معهم ما استطاعوا من أموال جمعوها بطرق غير مشروعة فقد أصبحت المساءلة واستعادة الأموال تتطلبان القبض عليهم كخطوة أولى لمعرفة مكان وجود تلك الأموال والعمل على استردادها بتعاون منهم أو رغما عنهم.
لقد أغلقت معظم ملفات الاحتيال المالي من الجانب التحقيقي وبقي أن يحال إلى القضاء من ثبتت مسؤوليته حتى وإن كان غائبا فالهروب بحد ذاته دليل كاف للإدانة ويضاف لذلك تلك العقود الموقعة مع المساهمين الذين تحولوا إلى ضحايا وتلك المطالبات برؤوس الأموال وسائر الحقوق المالية المترتبة على تلك العقود الوهمية لأنه لا قيمة لعقوبة لا يتم تنفيذها، فالقانون هدفه تجريم الأفعال الضارة بالمجتمع ثم تنفيذها تحقيقا للردع تجاه من ارتكبها, فالعقوبة رادعة لهؤلاء الأفراد حتى لا يقدموا على ارتكاب مثلها إضافة إلى أنها حماية للمجتمع من انتشار ظاهرة الجريمة بآثارها السلبية.
إن دول العالم عندما تكافح الجريمة تضع في اعتبارها ضرورة التعاون الدولي فقد تطورت الجريمة المالية وتصاعدت موجات الإجرام واستطاع المحتالون أن يستخدموا المصارف ووسائل التقنية والاتصال الحديثة لخدمة أهدافهم, فكان لا بد من تطوير نظام للتعاون في تبادل المعلومات وتسليم المطلوبين إلى دولهم للحد من ظاهرة هروب المجرمين وتفادي العقاب بالانتقال إلى إقليم دولة أخرى بحثا عن الأمان من الخضوع للعدالة.
إن دراسات علم الجريمة تثبت أن من يرتكبون الجرائم المالية ويعتادون عليها هم أكثر ذكاء من غيرهم من المجرمين، كما أن الذين ينخرطون في مجموعات منظمة هم أكثر تنظيما وقدرة على التخطيط الجيد لتنفيذ أعمالهم من أولئك الذين يمارسون الجريمة بصورة فردية, وهذه النتائج العلمية التطبيقية تؤكد أن ميدان الجريمة المالية المنظمة هو الأكثر قدرة على الإفلات من العقاب, بل إن الإفلات بحد ذاته جزء من أهدافهم، حيث لا يرون قيمة للاستيلاء على الأموال ثم عدم الاستفادة منها بسبب سجنهم وعقابهم على أفعالهم, ولذا يتزامن التخطيط للهرب مع تنفيذ الجريمة المالية.
إن الذين تمت استعادتهم من الخارج في جرائم مالية سيخضعون للعقاب بالأدلة القائمة ضدهم في الحق العام، كما أنهم سيلزمون بإعادة الأموال لأصحابها، حيث يجب حرمانهم من نتائج الجريمة التي اكتوى ضحاياهم بنارها ووجدوا في حياتهم مرارة الاستيلاء على أموالهم واستغلال ثقتهم بمن وثقوا بهم وهو درس بل دروس تلقنها جميع من وقعوا في مساهمات وهمية, وعلى الأفراد في المجتمع تغيير سلوكهم الاستثماري لأموالهم والتعامل مع المؤسسات المصرفية والمؤسسات المالية ذات المصداقية وعدم الانجذاب خلف كل من يروج لطموحات وأحلام من نسج خياله فالحقيقة دائما معقولة ويتقبلها الذهن الواعي السليم.
وعندما تعرض قضايا الاحتيال المالي أمام القضاء فإن الأحكام القضائية لحماية الحقوق الخاصة ستكون الأكثر أهمية للجمهور، حيث ينتظر الكثير أن تعود إليهم حقوقهم بعد طول انتظار وهذا ما حصل بالفعل، حيث أصدر ديوان المظالم حكمه ضد أحد أصحاب المساهمات الذي تمت استعادته من الخارج قبل أشهر بإلزامه بسداد مبلغ مالي يتجاوز ألف مليون ريال، وذلك في مساهمة واحدة فقط أما مجموع تلك الأموال فهو رقم فلكي لم يتم استثماره بصورة صحيحة، فكان الاقتصاد الوطني أحد المتضررين من خسارة هذا الرقم الضخم من دورة الأموال المستثمرة في البناء والتنمية.
