في ظني أن أغلبية العرب والمسلمين أصبحوا اليوم مشفقون على القضية الفلسطينية من أصحابها أولا قبل أن يشفقوا عليها من سلبية الساسة العرب وطغيان الحكومة الإسرائيلية ولا مبالاة بقية دول العالم، إذ لا يعقل أن تبذل عديد من الدول العربية جهودا مضنية للمصالحة الفلسطينية وما إن تصل إلى نتيجة إيجابية حتى ينقلب عليها أصحاب الشأن أنفسهم بسيناريوهات مختلفة وأدوار – قد تبدو للمتابع عن بعد – وكأنها متبادلة، ومازالت ذاكرتنا حافلة بعديد من الوساطات بدءا بالوساطة التي قادها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وتوجت باتفاق مكة، مرورا بالوساطة التي قادها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وتوجت باتفاق صنعاء، وانتهاء بالوساطة المصرية طويلة النفس، التي كان التوقيع على اتفاقها سيجري أواخر شهر أكتوبر الجاري بالقاهرة بحضور عربي ودولي كبير، وها هي ذي كل الجهود التي بذلت من أجلها تبدو كما لو أنها قد تبخرت وذهبت أدراج الرياح بسبب ملابسات التأجيل على تقرير القاضي (غولدستون) حول جرائم الحرب التي حدثت أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في ديسمبر ويناير الماضيين! هذه المرة تم إجهاض الاتفاق قبل التوقيع عليه وكأن الطرفين وجدا الذريعة اللازمة لذلك، إذ لم يعد مستبعدا أن تكون السلطة الفلسطينية قد وقعت في فخ تم تدبيره بإحكام وعناية من خلال موافقتها على تأجيل التصويت على التقرير بغرض توفير ذريعة مناسبة لتأجيل التوقيع على اتفاق المصالحة الوطنية إن لم يكن الهدف أساسا إجهاضه كليا، فيما الطرف الآخر المتمثل بحكومة حماس في غزة لم يضع الفرصة فسارع إلى إبداء رغبته في تأجيل التوقيع على اتفاق المصالحة الوطنية حتى تتم معالجة تداعيات طلب تأجيل سلطة رام الله التوقيع على تقرير غولدستون... وعلى كل حال فقد كان طلب تأجيل التصويت على التقرير خطأ فادحا وقعت فيه السلطة الفلسطينية أيا كانت حساباتها، إذ لا يفهم المتابع المحايد كيف يمكن تقديم تنازل من هذا النوع وبهذا الحجم لحكومة يمينية متشددة من نوع حكومة (نتانياهو) رفضت ومازالت ترفض تقديم أي نوع من أنواع المرونة - ولا أقول التنازلات - في التفاوض مع الفلسطينيين، بل إنها لم ترضخ لأي ضغط من الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية وفوق ذلك تحدتها وأعلنت بناء مئات من المستوطنات الجديدة ضاربة بعرض الحائط بكل المطالب الدولية حول ضرورة استئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين... ولذلك كله من غير المفهوم لماذا قبلت السلطة تأجيل التصويت على تقرير غولدستون الذي كان سيعتبر أول إدانة من نوعها لإسرائيل من خلال منبر دولي نوعي كمجلس حقوق الإنسان، خاصة أن الأوروبيين وغيرهم قد أبدوا استعدادهم للتصويت حيث كانت الأصوات المضمونة لمصلحة التقرير خمسة وثلاثيون صوتا مقابل خمسة أصوات مضادة، وهو كان سيشكل بالتأكيد انتصارا كبيرا للقضية الفلسطينية رغم أنه تضمن إدانة مقابلة لحكومة حماس بشأن الصواريخ التي كانت تطلقها ضد المدنيين اليهود في الأراضي المحتلة، التي كانت تعتبر التقرير غير متوازن قبل تأجيل التصويت عليه! لقد تأثرت بالتأكيد صورة السلطة الفلسطينية سلبا كصاحبة حق تاريخي مشروع باتخاذها القرار الخطأ في اللحظة الخطأ، ولعلها أدركت ذلك لاحقا بمساعيها الهادفة لتدارك الأمر، ولذلك نظن أنه فخ دبر لها بإحكام سواء كان هدفه تدمير مساعي المصالحة الوطنية أو تجنيب إسرائيل أية إدانة دولية... وبالمقابل نتساءل هل كان الطعم الذي نصب لها هو أن حكومة نتانياهو ستأتي للتفاوض مذعنة في حال تم استبعاد تقرير غولدستون من التصويت؟! إن كان مثل هذا الأمر واردا فهذا يعني أننا أمام سلطة طيبة (!) فرطت في مكسب سياسي محقق مقابل مكسب وهمي... إذ يدرك المواطن البسيط أننا اليوم أمام نوعية من الحكومات الإسرائيلية غير مسبوقة في مستوى تشددها وتطرفها، ويصعب الوصول معها بأي حال من الأحوال إلى أية نتائج إيجابية عبر التفاوض، فما بالك إذا كان هذا التفاوض يتم من قبل سلطة مفككة ومنقسمة وتشرذم وطني مؤلم وتدخلات إقليمية ودولية في القرار الفلسطيني... فكيف يمكن الذهاب للتفاوض بلا أوراق قوة وبالتنازل المجاني عن تقرير غولدستون؟! والظاهر كما تشير الأحوال أن طرفي رام الله وغزة مرتاحان بالوضع الذي يعملان في أجوائه، ويرغب كل منهما من الطرف الآخر أن يدعه وشأنه يدير شئونه كما يحلو له، إذ تبدو المصالحة بينهما شبحا يهدد نفوذ كل منهما على الأرض التي تقع تحت سلطته، فحركة فتح قلقة - ومن حقها أن تقلق - من تكرار سيناريو الانتخابات التشريعية لعام 2006م التي فازت بها حركة حماس بالأغلبية، ومصدر قلقها أن انتخابات رئاسية ستصاحب التشريعية أو تسبقها ومن غير المقبول بالنسبة لفتح أن تفوز بها أيضا حركة حماس... وفي الجانب الآخر لا تبدو حركة حماس أقل قلقا من نظيرتها فتح، وقلقها مشروع هي الأخرى لأنها تخشى من ضياع ما حققته من مكسب سياسي في انتخابات 2006م لأنها تدرك أن المواطن الفلسطيني أعطاها الأغلبية نكاية بفتح أكثر مما هو قناعة بنهجها وسياساتها. ومن المحتمل أن يعيد فلسطينيو غزة تحديدا النظر في أصواتهم المرة القادمة بسبب معاناتهم الشديدة في ظل إدارة حماس، التي بدأت بحصار قاتل وانتهى إلى عدوان إسرائيلي مدمر... ورغم توقيع فتح الأربعاء الماضي على مشروع الاتفاق ومماطلة حماس فإن أية عملية مصالحة وما سيسفر عنها من اتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سيظل أمرا محرجا لكليهما، مما يجعل الآمال تتضاءل فعلا تجاه نجاح مصالحة وطنية حقيقية.
الفلسطينيون والبحث عن ذرائع لإجهاض المصالحة!
الأحد 18 أكتوبر 2009 2:29
