لا أحد يشك في عدالة القضية الفلسطينية، ومدى معاناة الشعب الفلسطيني الجور والظلم الواقع عليه، هذه القضية التي لم يعقها إلا ضعف وأهواء وتنازع من أوكل إليهم مهمة الدفاع عنها، واتخاذ أطراف أخرى هذه القضية وسيلة للتمدد والتوسع في عالمنا العربي، واستغلالها في صراعات داخلية بين أطراف تتنازع السلطة، والنتيجة أن ازدادت معاناة الشعب الفلسطيني، وتشتت جهود أبنائه حسب الولاءات والمصالح.
وفي الوقت الذي رأى فيه الناس أن لا بارقة أمل لزحزحة الوضع، وتسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، خصوصا في قطاع غزة، بزغت بارقة أمل لم يُضرب لها حساب، ومن جهات غير متوقعة، وتمثل ذلك بما فجره الصحفي السويدي دونالد بوستروم الذي كشف في مقال نشره في صحيفة ''أفتونبلاديت'' السويدية في 27 آب (أغسطس) الماضي عن أن جنوداً إسرائيليين قاموا عمدا بقتل شبان وأطفال فلسطينيين لسرقة أعضائهم والمتاجرة بها، حيث قال إن ''إسرائيل كانت تعتقل شبانا فلسطينيين في الليل وتقتلهم وتستأصل أعضاءهم وتدفنهم بسرية''، مما أحدث ردة فعل عنيفة في إسرائيل التي طالبت بتكذيب ما جاء في الخبر والاعتذار عنه، إلا أن الحكومة السويدية رفضت ذلك، وكان مما يلفت النظر أن أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت في السويد أن أغلبية السويديين يعارضون تقديم اعتذار لإسرائيل، وهذا تطور مهم يتمثل في أن كثيراً من الشعوب الغربية أصبحت تدرك مدى الظلم الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، كما تدرك مدى إفراط إسرائيل في استخدام القوة ضد المدنيين الفلسطينيين، وهو شعور إعلامنا العربي غائب عن استثماره بتغطية الخصومات المحلية.
الأمر الثاني، الذي جاء ضربة موجعة لإسرائيل ما جرى يوم الجمعة الماضي من تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالموافقة على تقرير غولدستون الذي يدين إسرائيل وحماس بارتكاب جرائم حرب خلال هجومها على قطاع غزة في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حيث جاءت نتيجة التصويت بالموافقة بأغلبية 25 صوتاً مقابل ستة أصوات وامتناع أحد عشر صوتاً. وجاءت هذه الإدانة لإسرائيل رغم ما جرى من محاولات لإعاقة مناقشة هذا التقرير، وانشغال الأطراف الفلسطينية بتبادل الاتهامات بشأن عرقلته، ورغم ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع انتهاء هذا التقرير إلى هذه النتيجة.
وقد دان تقرير غولدستون بشدة ''جميع السياسات والإجراءات التي تتخذها إسرائيل قوة الاحتلال بما في ذلك تقييد حرية وصول الفلسطينيين إلى الأماكن المقدسة وإلى ممتلكاتهم''، كما دعا إسرائيل إلى وقف الحفر والتنقيب حول المسجد الأقصى إلى جانب أماكن مقدسة أخرى للمسلمين والمسيحيين.
ومبعث أهمية هذا التقرير أنه من إعداد محققين دوليين يقودهم القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون، وهو من أصل يهودي، وله سجل حافل في مواجهة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا.
والسؤال، هل نرى توجهاً فلسطينياً وعربياً، وتوحيداً للمواقف للاستفادة من النتيجة التي توصل إليها هذا التقرير، ومن قبله الإدانة السويدية لإسرائيل، ومتابعة ذلك لإدانة مرتكبي هذه الجرائم، أم أن القيادات الفلسطينية ستكتفي بتبادل التهم وتصفية الحسابات، وترك هذين الدليلين دون استثمار حتى يغيب عنهما الوهج الإعلامي العالمي؟
