أن يقف الرجل المسؤول عن قطاع السياحة في بلادنا محتجا ممتعضا من الإجراءات البيروقراطية التي تجعل قرارا يستغرق دون بت حتى الآن أربع سنوات ونصفا فيما لا يحتاج إقراره إلا إلى يوم واحد.. فذاك احتجاج وامتعاض يلخصان الأزمة التي تعانيها برامج ومشاريع التنمية ليس في قطاع السياحة فحسب، وإنما في مختلف القطاعات. فالدولة ضخت أموالا في ميزانيات الجهات وكرّست جهودا لإقرارها واعتمادها، فإذا هي في المآل الأخير تعاني بطء تنفيذ وتعثر إنجاز وأحيانا تأجيلا إثر تأجيل، ما يستدعي بالضرورة التفكير في إيجاد حلقة وصل تفض الاشتباكات في الملامة بين الجهات ذات العلاقة بالمشاريع والجهات المنفذة وتكون مهمتهما الإشراف والمتابعة في رصد مدى التقدم في الإنجاز ومدى الالتزام بالمواعيد المحددة.
قد تكون هذه الجهة هيئة أشغال أو وزارة للإنشاءات.. المهم أن تتولى هذه الجهة المقترحة ضبط إيقاع تنفيذ ما اعتمد من برامج ومشاريع تنموية وعدم تركها لمماطلات الجهات أو أعذار الشركات المنفذة أو تلكؤ المقاولين.
صرخة الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، في مناسبة تسليمه جوائز للمتدربين على الإرشاد السياحي في فندق ماريوت الرياض في الأسبوع الماضي محتجا ضد التأخر المعيب للبت في قرار إنشاء الاستراحات السياحية على الطرق لأربع سنوات ونصف، كما سبقت الإشارة، لا تمثل فقط تبرما من نفاد الوقت، وإنما من إهدار عمر سياحي يضيع بسبب تعقيدات إدارية بالية.. وإذا كان رئيس الهيئة قد اتخذها إدانة لسوء الإجراء فيمكن اعتبارها، في الوقت نفسه، فرصة للتبليغ بأهمية قطاع السياحة، الذي إن لم يكن هو الأهم، فإنه من بين أهم ثلاثة قطاعات مولدة لفرص العمل للمواطنين الذين ستخرجهم جامعاتنا في الداخل أو الذين سيعودون من بعثاتهم في الخارج.. بل إنه في تبليغه أراد أيضا أن يشطب بإصرار ووضوح تلك النظرة التقليدية للسياحة المحلية التي تذهب إلى أن المملكة ليست دولة سياحية، مشيرا إلى أنه لن يقبل، ولن يستمر في التنازل عن المنافسة في مجال السياحة مع الدول القريبة والمجاورة والبعيدة، وأنه لا يجوز التنازل عن المواطن بحجة أنه يجد في الدول الأخرى السياحة والخدمات والمعاملة المميزة، مؤكدا أن هذه الحجة أصبحت من الماضي.
إن حديث رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار مثلما هو لصيق بإعاقة كبرى تلحق بقطاع تنموي حيوي جدا، هو السياحة، لصيق بالتأخر الشديد الذي يحبس تجسد المشاريع التنموية الأخرى التي أقرتها الدولة واعتمدت أموالها في ميزانيات السنوات الماضية وحتى هذا العام، لكنها لم تر النور أو رأى نزر يسير منها النور، بينما هي مشاريع حيوية تطول الطرق والمواصلات والصحة والتعليم والبلديات والصرف الصحي والإسكان الشعبي.. وغيرها مما احتفت صحفنا وإعلامنا بأرقامها الكبرى، لكن تلك الحفاوة والفرحة الشعبية بها أطفأتها تعقيدات تبادل “بينج بونج” الملامات بين الجهات والمتعهدين بالتنفيذ.. وما زالت الشكوى لجوجة بين هؤلاء وأولئك فيما الوطن والمواطنون بأمس الحاجة إليها.
لذا.. فلعلنا ننطلق من صرخة رئيس هيئة السياحة الغيورة لنعلق جرس اقتراح نقدمه لمجلس الشورى كي يدرس على وجه السرعة أهمية إيجاد جهاز أو جهة حكومية (هيئة أو وزارة) تتولى الإشراف على مصير هذه المشاريع، وما تم بشأنها ومتابعة التنفيذ وقتا ومالا وفنيا، إذ من الواضح أن الجهات غير قادرة على النهوض بما اعتمد لها لسلبيات عديدة، نظامية، فنية، وبشرية، ولأن الأمر كذلك، وحتى نخرج مشاريع التنمية من عنق زجاجة التأخير والمماطلات والملامات نأمل أن يتم النظر في مثل هذا الاقتراح.
