هوية التميُّز في التعليم العالي .. جامعة الملك سعود أنموذجا

|
في الوقت الذي دخلت فيه جامعة الملك سعود في مجموعة أفضل 300 جامعة عالمية بتحقيقها المرتبة 292 حسب تصنيف ويبو ماتريكس الإسباني الشهير، وتحقيقها المركز الأول على مستوى العالم العربي والعالم الإسلامي والشرق الأوسط وإفريقيا، وما صحب هذا الإنجاز من تشكيك البعض في قدرات الجامعة الأكاديمية، واحتفائها بالتصنيفات الشكلية، من وجهة نظرهم، فإن أكثر المراقبين تفاؤلا لم يكن ليتوقع أن تحقق الجامعة، وبهذه السرعة، مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية التي تعتمد التميز الأكاديمي والبحثي معيارا أساسيا في تصنيفاتها، مثل تصنيفات تايمز وشنغهاي العالميين، حيث حققت جامعة الملك سعود، وفي إنجاز وطني عالمي جديد كما صرح بذلك وزير التعليم العالي، المركز 247 عالمياً، وجامعة الملك فهد (266) عالمياً متصدرتان الجامعات العربية وفق نشرة تايمز للتعليم العالي – تصنيف QS للجامعات العالمية. وتعليقاً على هذا الأمر يقول السيد نونزيو كواكواريلي، المدير الإداري لدى QS: ''تستثمر الحكومات والجامعات الأموال من أجل تحسين مكانتها وسمعتها على الساحة العالمية فيما يصبح التعليم العالي قطاعاً عالمياً. واليوم تستخدم نشرة تايمز للتعليم العالي – تصنيف QS للجامعات العالمية من قبل أصحاب العمل ليعرفوا أفضل المؤسسات التعليمية التي عليهم اختيار موظفيهم من بين خريجيها، ومن قبل الأكاديميين الذين يختارون مكانا للعمل وعقد الشراكات، ومن قبل الأهالي والطلاب الساعين إلى اختيار قرارات تعليمية سليمة''. إن التعليم استثمار ناجح دون أدنى شك، يؤتي أكله من حيث المبدأ والفائدة في كل جيل صاعد، إلا أن التعليم العالي في السعودية يواجه اليوم تحديات كبيرة يأتي في مقدمتها قبول الأعداد المتزايدة من الطلاب مع المحافظة على مستوى مرض من الجودة والنوعية، بغية تحقيق أقصى قدر من الفائدة للمجتمع ودعم النمو الاقتصادي وتطوير القوى العاملة. كيف استطاع بعض الجامعات السعودية التغلب على كثير من مشكلات وتحديات التعليم العالي لتقود دفة التغيير والتطوير نحو الشراكة المجتمعية والريادة العالمية؟ إن هذا السؤال يقودنا للإجابة عنه اختيار نموذج مشرف لإحدى نتائج تطوير الجامعات السعودية الذي تقوده وزارة التعليم العالي وهي جامعة الملك سعود. تعد جامعة الملك سعود إحدى أبرز الجامعات التي أظهرت قدرة متميزة على مواجهة هذه التحديات لتصبح بذلك قدوة ومثلا أعلى لباقي الجامعات, ليس على مستوى السعودية فحسب, بل حتى على مستوى الجامعات العربية لأنها تمكنت من وضع إطار منهجي لتحسين النوعية الأكاديمية، وتطوير أداء أعضاء هيئة التدريس، واستحداث برامج وأنشطة مبتكرة تسهم في تحقيق التميز العلمي والبحثي الذي تصبو إليه الجامعة. ولا شك أن تحسين النوعية الإدارية، وتحقيق التميز الأكاديمي أمر مثير ومتعب في الوقت ذاته لأنه يطالب الهيئة الإدارية والتدريسية والطلاب بالتعاون فيما بينهم والتفكير في طرق جديدة للتميز، وهو ما يمكن لأي زائر للجامعة أن يلاحظه في العمل الشاق الذي تقوم به الأقسام والكليات والعمادات لتحقيق الريادة والتميز والحصول على الاعتماد الأكاديمي الذي يعكس جودة الأداء العلمي والبحثي والإداري في المؤسسة الأكاديمية. إن القيادة الفاعلة أمر أساسي في عملية التطوير المستمر وتحقيق التميز، فجامعة الملك سعود تتمتع بنخبة من أفضل الإداريين من ذوي القيم الأكاديمية العالية، ومهارات التواصل المتميزة، وممن يجيدون العمل الجماعي، وتتوحد لديهم الرؤى المستقبلية، في الوقت الذي تتوافر فيهم أيضا روح المبادرة والابتكار والعزم والتصميم على بلوغ الأهداف الكبيرة التي يتقاعس أو يتردد في خوض غمارها كثيرون. ولم يكن لهذه القيادة أن تؤتي ثمارها لولا توفيق الله ـ عز وجل ـ ثم الدعم غير المحدود من لدن حكومة خادم الحرمين الشريفين من جهة وثقة أصحاب الشأن في القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. ولا يغيب بالطبع البذور التي زرعها أعضاء هيئة التدريس والموظفون الذين كانوا خير معين لتلك القيادة ومستعدون لاستثمار رأسمالهم الشخصي والمهني لتحقيق أهداف الجامعة. لقد أدركت جامعة الملك سعود أن المشكلات التي تراكمت منذ وقت طويل في حاجة إلى حلول بعيدة المدى، ولذا فقد عمدت إلى بناء خطة استراتيجية للجامعة تستند إلى رؤية واضحة تسهم في تحسين الكفاءة الداخلية للجامعة، وتحقيق جودة مخرجاتها، وبناء بيئة جاذبة للكفاءات المتميزة، وتحقيق متطلبات التقويم والاعتماد الأكاديمي على المستويين المحلي والعالمي، وتعزيز الشراكة بين الجامعة وقطاعات المجتمع المختلفة، مع الاهتمام بتنمية الموارد المالية للجامعة من خلال كراسي البحث العلمية وأوقاف الجامعة لضمان المحافظة على المكتسبات العلمية والبحثية التراكمية. إن التميز يزدهر في الثقافة التي تشجع جيل الأفكار الجريئة، والمشاريع الطليعية، والأنشطة والفعاليات غير التقليدية، وثقافة الجامعة يمكن تشبيهها بالتربة، فإما أن تكون لينة ومطواعة وإما أن تكون صلبة ومليئة بالحجارة, فالأفكار الإبداعية تترسخ في التربة اللينة وتعطي محصولا وفيرا، أما في التربة القاسية، فمهما يبذل فيها من جهد فيظل الحقل قاسيا وقليل الإنتاج. ومن هذا المنطلق، أخذت جامعة الملك سعود على عاتقها تقبل الأفكار الإبداعية وتحويل الناجح منها إلى عمل مؤسسي، وتحمل المخاطر جراء فشل بعض الأفكار أو المبادرات الأخرى، وعدم توجيه اللوم إلى أصحابها في حال فشلها، فكيف يمكن أن تشجع مؤسسة ما الأفكار الإبداعية إذا كانت تعاقب المبدع أو المبتكر؟ أخيرا، فإن التقييمات العالمية هي أحد المكونات الأساسية للتوجه نحو التميز وإدامته، ولذا فمن الخير للجامعات السعودية وعلى رأسها جامعة الملك سعود أن تعمل على استخدام نتائج التقييم العالمية في التحسين المستمر للعملية التعليمية، وتحقيق أهداف الجامعة ورؤيتها الاستراتيجية التي لن تتحقق في ظل غياب الجامعة من قائمة التصنيفات العالمية، وأن تمضي الجامعة بنتائج التقييم إلى أبعد من مجرد المقارنات المحلية أو العالمية إلى الاستعداد للتعلم من الآخرين، ومشاركة الخبرات معهم لضمان استمرار التميز وتحويله إلى هوية دائمة للجامعة لا تقبل المساومة في التنازل عنها أو التراخي في المحافظة عليها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها