الحمد لله على ما هدى، والصلاة والسلام على المصطفى، وبعد، فقد كنتُ كتبت مقالاً عنوانه: الأوراق النقدية.. الخوض في العلم بلا علم. أردت به الرد على ما يردده الدكتور حمزة أن الأوراق النقدية عروض لا يجري فيها الربا، وهو حكمٌ منه في مسألةٍ شرعية تتعلق بركن من أركان الإسلام، وبكبيرة من السبع الموبقات. وحكمه هذا مخالف لما استقرت عليه الفتوى في البلاد، ومخالفٌ لحكم المجامع الفقهية التي درست المسألة من جانبيها: الشرعي وهو الأصل، والاقتصادي وهو الفرع. وحكمه يوقع من ارتضاه في الربا، ويؤدي إلى منع الزكاة. فأنكرت عليه الخوض في هذه المسألة لعدم تخصصه، وأوردت أدلتي، وناقشت استدلالاته. فهيجه هذا المقال، وردَّ بمقال من جزءين، عنوانه: أيكون الجهل ديانة يتقرب بها إلى الله. وظن أنه أتى فيه بالكفاية، فختمه بقوله: آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه. وقد قرأت المقالين، فما وجدت فيهما إفادة ولا إجابة، بل حيدة تامة عن الموضوع، وفهم خطأٌ، وتُهمٌ وتجهيل، وتحريف للكلام. وهذه دعوى لها بينة، أنا موقفٌ القارئ الكريم على حقيقتها وصدقها، وهو الحكم الترضى شهادته:
قلتُ: ''والحق أنَّ مسألة الأوراق النقدية مسألةٌ حديثةٌ ليس للسلف قولٌ فيها، ولا يصح نسبةُ القول بعدم جريان الربا وعدم وجوب الزكاة فيها للفقهاء المتقدمين''. فقال: ''وكلام الدكتور صلاح هنا خطير ومناقض لنفسه. فهو خطير من جهة أنه ينسف كل قواعد وأصول الدعوة النجدية، وكل كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله، وهو يفتح بابا واسعا للاستشهاد بهذا المنطق لرفض كل أحكام الدين. فكلما جاءت مسألة قلنا: هذه مسألة جديدة، ليس للقدماء فيها قول''. فعجيب هذا الفهم، والتهويل والتحريف، فليس فيما قلت ما يحمل كل هذا. الذي أردته، وهو بينٌ، أن أقول للدكتور حمزة: هم حكموا على الفلوس أنها عروض، فلا يجري فيها الربا، وما حكموا على الأوراق النقدية اليوم أنها عروض، فالتباين بينهما كبير بيِّن. وأنت من جعل الأوراق النقدية اليوم عروضا لا هم، فلا يصح إذن نسبة القول إن الأوراق النقدية عروض لا يجري فيها الربا لهم، وذلك حين قلت: ''إذن فعند الظاهرية والمشهور عن الأئمة الأربعة أنه لا يجري الربا في النقود الورقية المستعملة اليوم''. ثم إنَّ أحكام الدين ما طرأ وما يطرأُ، أدلتها كلها في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقول الصحابي عند أحمد وغيره. وأقوال العلماء ليست أدلة في ذاتها، ولكن يستفاد منها، ويرجع إليها في الفهم والاستنباط. أما تخصيصه للدعوة السلفية النجدية وإمامها، فلا وجه له ألبتة، وهي ولله الحمد راسخة ثابتة، مبنية على الكتاب والسنة، وقصده من إقحامها هنا بينٌ لي، ولا فائدة من كشفه.
وبعد نقلي لحديثين، مستأنساً لا مستشهداً، فيهما فشو الربا في آخر الزمان. قلت: ''وأظن الساعة قريب، قد اقتربت، وظهر كثير من أشراطها. فيلزم الدكتور حمزة من قوله بعدم وقوع الربا في الأوراق النقدية، قلة الربا وعدم ظهوره في هذا الزمان، وهذه معارضة لخبر الصادق''. وما أدري أضعف عن فهمِ وجه ما أريد، أم هي الحيدة والتلبيس، فقال متعجبا: '' سبحان الله؟ فلماذا نمنع الاختلاط إذن؟ ولماذا لا نعمل على صناعة الخمور؟ ولما لا ننشر الفساد لكي يصدق الحديث؟ هل هذا منطق؟ أليس هذا هو منطق غلاة النصارى نفسه في دعم اليهود في فلسطين، والإثني عشرية في غيبة المهدي وظهوره..''. الذي أردته، وتأمله، الاستشهاد بمطابقة واقع الحال اليوم بخبر الصادق، وأنا أدافع هذا الواقع بمدافعة القول بعدم جريان الربا في الأوراق النقدية، فكيف يشبَّهُ هذا بطلب الروافض انتشار الفساد حتى يظهر المهدي وهو نقيضه.
وقلتُ: ''قال في مقال له: (لا ربا ولا زكاة اليوم في الذهب والفضة هو لازم الفتوى المعتمدة الآن). وهذا خطأ بينٌ، وسوء فهم منه، فالحكم بوجوب الزكاة، وجريان الربا في الذهب والفضة جاء من النصوص الصريحة لا من القياس.. ففاته أن الحكم بالزكاة والربا فيهما مستفادٌ من النص الصحيح الصريح لا من القياس، فوقع في هذا الخلط والخطأ، والظن بك عد القول بانتفاء الحكم من الأصل إذا انتفت العلة فيه، فإذا زال الظلم في رأي فلان عن الربا صح، والتقوى من الصوم فلا صوم''. فحاد وشرق قائلا: ''فهل الدكتور صلاح لا يدري أن القياس لا يجري في الأحكام التعبدية كالصلاة والصوم، ولا يفرق بين العلة والحكمة..هذا ليس نقاشا ولا محاجة، بل صف كلام، وإيراده بلا معنى ولا مناسبة، وهو فوق ذلك لا يصح وخطأٌ لا يغتفر''. والذي نحن فيه إلزامه للمشايخ زوال الحكم من الأصل بزوال العلة منه، فنحن في الأصل وحكمه، لم نتعداه للفرع، والذي يُلزم بزوال الحكم من الأصل لزوال الوصف، حريٌ أن يلزم بزواله بزوال الحكمة، فهي علة العلة. واستطراداً التعليل بالحكمة واقع في الشريعة، واختاره بعض الأصوليين، ومنعه بعض، وقيده بعض بكون الحكمة منضبطة، وأظنه اختيار شيخ الإسلام.
وقلتُ: ''ويلزمه ألا تجب الزكاة فيها''. ووجه ذلك أنه جعل الأوراق النقدية عروضا، والعروض لا تجب فيها الزكاة مطلقا عند الظاهرية، وتجب فيها إذا أعدت للتجارة عند الجمهور، وهو الصحيح. ولم يقل أحدٌ بوجوبها مطلقا، أعدت للتجارة أم لم تعد. ومعلوم أن الأوراق النقدية ليست مُعدةً للتجارة إلا عند تاجر العملات. فتكون بذلك لا زكاة فيها عند أهل العلم جميعا. فقال: ''هذا تدليس على القارئ، والصحيح بأنه هو من ألغى الزكاة في العظيم، وقصرها في التافه الحقير. وقد كتبت كثيرا في أن هذا ليس بلازم، بل إن فيها الزكاة''. فأين تدليسي، وأنا لم أقل له قلت، بل قلت يلزمك، إلا إن كان بلغ به العُجب أن يرى نفسه مجتهدا له أن يشذ. ثم ما هذا التافه الحقير الذي أوجبتُ الزكاة فيه، أهو الأوراق النقدية التي هي عمدة مال الناس اليوم. وما هذا العظيم الذي ألغيتُ الزكاة عنه، أهي الأرض، فلا ألغيه، بل فيها الزكاة إذا أعدت أو أرصدت للتجارة.
وقلتُ: ''القول بأن حكم الأوراق النقدية حكم الذهب والفضة، في جريان الربا فيها، والدليل القياس الصحيح، والعلة مطلق الثمنية.. هذا القول هو قول المشايخ..''. وذكرت جمعا منهم، والذي أريده أن عامة المشايخ، والمجامع الفقهية، يحكمون بجريان الربا في الأوراق النقدية، وذكرت الدليل والعلة تبعاً. فقال: ''هذا فيه تلبيس وخلط وجهل، فلم يقل بقياس الفلوس على النقدين بعلة مطلق الثمنة أحد من شيوخ كبار العلم..''. هل الذي يهم الناس الحكم، أم طريقه. ويبدو أن الدكتور حمزة قد فرح بما قرأه عن القياس وعلته، وظن أنه أحاط به، فصار يقحم الكلام عن العلة في كل موضع، متعالما بذلك، مزهواً به.
وقلتُ: ''وقد تنبه الشيخ محمد بن إبراهيم إلى ما قد يؤول تشبيهها بالفلوس، فجهل هذا القول، سدا للذريعة''. فانظر ما حمل هذا القول، قال: ''فهو يستند إلى قول الشيخ محمد بن إبراهيم، ليجهل كل من ألحق الفلوس المعاصرة بالفلوس، كابن سعدي، وابن حميد، وابن بسام، وكذلك ابن عثيمين''. وقال: ''تطاول فيه هداه الله على صفوة من علمائنا - رحمهم الله - كابن سعدي وابن حميد وابن بسام وابن عثيمين فوصفهم بالجهل إصراراً منه وعمدا''. وأعوذ بالله أن أجهل أمثال هؤلاء العلماء، ولكن هم كغيرهم يخطئون، والعصمة للرسول - صلى الله عليه وسلم -. فالذي جهل هو الشيخ محمد بن إبراهيم، وهو معروف بغيرته، وحميته، وقوته في الحق، مع ما توجبه عليه مسؤوليته كمفتٍ للبلاد، ورئيسٍ للقضاة. فالشيخ فطن لما يؤدي إليه هذا القول من وقوع في الربا، ومنع الزكاة، فقال ما قال غيرة للدين - رحمه الله- ونحمل ما يقوله العلماء خصوصا، والناس عموما المحمل الحسن.
والذي أساء لأهل العلم هو الدكتور حمزة، فاتهم فريقا من أهل العلم بالتسلط والتطاول على المخالف، وفريقا بالضعف عن بيان الحق. فقال: ''فدعا ضعف الحجة إلى ظهور سياسة التعنيف، والتشديد على المخالف، من أجل تقديم غطاء وبديل للدليل الشرعي الصحيح... ولو أن المخالفين قديما من أهل العلم، في مسألة ربوية الفلوس المعاصرة، ردوا على من تطاول عليهم بالمثل، ووقفوا وقفة صبر وثبات لما انتهينا إلى ما نحن فيه الآن''. والذي حصل خلاف بينهم، رحمهم الله، هل الأوراق تُلحق بالنقد أم بالعروض، مع اتفاقهم على جريان ربا القرض فيها، واختلافهم في ربا الفضل. واليوم بعد أن اتضحت صورة الأوراق النقدية، وصارت هي الثمن لكل الأشياء، هم شبه مجمعون على إلحاقها بالنقدين.
وقال: ''وصعوبة نقض هذه الأدلة أو ردها إلا برأي مجرد، هو من يمنع صاحب العلم التقي الورع من المحاجة في هذه المسألة''. والله تعالى يقول: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)، ثم هل من الورع أن يتصدر المرء للفتوى، في مسألة كهذه، مخالفاً ما عليه جماهير أهل العلم، وهو ليس من أهل العلم الشرعي، فضلا أن يكون من أهل الاجتهاد. ما لك ولها، ، فالوقوف عند الشبهة، خير من اقتحام الهلكة، قد كان أهل الفتوى والورع يتدافعونها.
وقال: ''القول بربوية الفلوس المعاصرة ، قول شاذ، لا تقوم به حجة شرعية نقلية، أو عقلية صحيحة، بل هو رأي محض، من باب الاحتياط، يخالف سيولا عظيمة من الأدلة النقلية الثابتة، والأدلة العقلية المنضبطة''. فسبحان الله، قول الجمهور، قول شاذ لا حجة له، وقوله الشاذ، الذي لا يشاركه فيه من يدلس بالاحتجاج بهم، كابن سعدي، وابن عثيمين، له سيول من الأدلة، هات برهانك. لا أدري والله مما أعجب، من تهوره أم استخفافه. قال الشيخ ابن سعدي ـ رحمه الله - في محل النزاع: ''يؤيد هذا أن بيع الأنواط بالأنواط إلى أجل هو بعينه الربا الداخل في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) فمفسدة بيع عشرة أنواط باثني عشر إلى أجل لا تنقص من مفسدة بيع عشرة دراهم أو دنانير باثني عشر إلى أجل. والمفسدة التي حرم الشارع الربا لأجلها خصوصا ربا النسيئة لا يمكن من له أدنى مسكة من عقل وتمييز أن ينكر وجودها بأكملها في بيع الأنواط بعضها بعضا، أو بأحد النقدين نسيئة، وتكاد تكون من الضروريات''.
وبعض قوله السكوت عنه أبلغ في الجواب، وأختم بسؤالٍ للقارئ الحريصِ على دينه، هل يُقبَلُ من مثل الدكتور حمزة حكماً شرعيا؟ وهل مقلده معذور عند ربه؟- وأقول للدكتور حمزة، لا يغرك تصفيقُ جاهلٍ لك، ولا تحريضُ مُغرِّرٍ بك، ولعمرو الله ما خضت هذا الجدل والحوار معك، أريد الإساءة والتجهيل لك، بل - إن شاء الله - أخوة الدين باقية، ولكنه تقديم لمصلحة عامة للمسلمين، على ضرر خاص بي وبك، وعقلي وعقلك كشفناه بما كتبناه، فالله المستعان، والله يعفو عني وعنك.

