لم تنجح مجهودات الدولة في علاج البطالة بنوعيها المقنعة وغير المقنعة على مدى العقود الماضية، رغم تأكيدات وزارة العمل في السنوات الأخيرة جعل البطالة شيئاً من الماضي. وعدم النجاح يعود في جزء كبير منه إلى مطالبة الحكومة بتوظيف الموارد البشرية السعودية في القطاع الخاص الذي يعتمد ربحه و وجوده على الانضباط والأداء، بينما تتجاهل الحكومة هذين المعيارين في سوق العمل الحكومي. وبمرور الزمن أوجدت هذه المعايير المزدوجة اختلالاً فادحاً تمثل في ثنائية سوق العمل في المملكة، حيث أفرز هذا الوضع سوق عمل حكوميا وسوق عمل خاصا، لكل سوق وزارته وأنظمته وسلالم أجوره ومعاييره في التعيين والأداء والترقية والأمن الوظيفي والتقاعد وساعات العمل والإجازات... إلخ.
ومضت العقود وتكررت الجهود المضنية لإنجاح التوظيف في القطاع الخاص عبر إصدار قرارات السعودة وصياغة الاستراتيجيات وعقد المؤتمرات والندوات، وفي كل هذه الجهود تناست الدولة أن إصلاح سوق العمل السعودي، بجانبيه الحكومي والخاص، يبدأ من إصلاح الحكومة لسوق عملها وليس من فرض السعودة الكمية على سوق القطاع الخاص. إن الحكومة تطالب القطاع الخاص الذي يعتمد في وجوده واستمراره على الربحية المتأتية من انضباط موارده البشرية وأدائهم، بينما لا يعتمد سوق عمل الحكومة في وجوده واستمراره على هذين المعيارين. إن غياب هذين المعيارين في سوق العمل الحكومي يجذب الموارد البشرية لسوق العمل الحكومي بينما يطرد هذان المعياران الموارد البشرية من القطاع الخاص فيجد القطاع الخاص ضالته في الاستقدام.
إن الموظف في القطاع الحكومي نادراً ما يفصل مهما كان سوء انضباطه أو أدائه، وبذلك أصبحت الوظيفة الحكومية ضماناً وظيفياً للحياة بينما يفصل الموظف في القطاع الخاص بسهولة لسوء انضباطه أو سوء أدائه. ولعلاج البطالة المقنعة في سوق العمل الحكومي والارتقاء بأداء مؤسساتنا الحكومية لا بد من إلغاء الميزة التنافسية السلبية في سوق العمل الحكومي وتوحيد معايير الانضباط والأداء للموارد البشرية في الحكومة والقطاع الخاص معاً. وبذلك نعالج الاختلال الأزلي المتمثل في ثنائيه سوق العمل ويصبح سوق العمل موحداً للمواطنين من حيث الانضباط و معايير الأداء وربطهما بالأجور والمزايا و الأمن الوظيفي.
وبهذه الرؤية نصيد عصافير كثيرة بحجر واحد، حيث نوحد سوق العمل ونرفع إنتاجية مواردنا البشرية في الحكومة والقطاع الخاص ونحقق العدل والمساواة للعاملين داخل سوق عمل واحد ويصبح مقدار الدخل مرتبطا بجودة الأداء والانضباط سواء في الحكومة أو في القطاع الخاص وتختفي شكوى القطاعين الخاص والحكومي من قلة إنتاجية وسوء انضباطية الموارد البشرية السعودية، كما تختفي شكوى القطاع الخاص من تسرب العاملين منه إلى القطاع الحكومي. بل من المتوقع أن الهجرة ستصبح عكسية من الحكومة إلى القطاع الخاص لسبب بسيط وهو أن القطاع الخاص يبحث عن تعظيم الربح الناتج من الانضباط وحسن الأداء وعندما يربط هذان المعياران بالأجور فستكون الأجور والمزايا في القطاع الخاص أكثر من الأجور والمزايا في القطاع الحكومي وبذلك تختفي الحاجة إلى الاستقدام التي حرمت أبناءنا من فرص العمل المتاحة في سوق العمل السعودي في ملايين الفرص الوظيفية التي تقبلها الموارد البشرية السعودية. وستريح هذه الرؤية وزارتي العمل والخدمة المدنية من مشكلاتهما الأزلية وتحقق وحدة سوق العمل وتوظيف كامل مواردنا البشرية.
إن الأمر يحتاج إلى إعادة صياغة أنظمة وقوانين الخدمة والعمل كما يحتاج إلى إعادة النظر في الفلسفة السلبية التي نسجت حول الوظيفة الحكومية ومتطلباتها كما يحتاج الأمر إلى توصيف الوظائف وتحديد مهام كل وظيفة ومعايير أدائها ورسم آليات الترقي ومتطلباتها التأهيلية والتدريبية وصياغة سلالم الأجور التي تناسب كل فئة من الوظائف وربط الأجور والمزايا بالأداء والانضباط.

