الثلاثاء, 29 سبتمبر 2026|16 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

إن مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، الذي من المقرر أن يعقد في كوبنهاجن في كانون الأول (ديسمبر)، لا بد أن يشكل ذروة عامين من المفاوضات الدولية بشأن إبرام معاهدة عالمية جديدة تهدف إلى معالجة أسباب وعواقب الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي.

لقد أصبحت الحاجة ماسة إلى التوصل إلى اتفاق عالمي بشأن تغير المناخ. فقد بلغت تركيزات ثاني أكسيد الكربون، وغيره من الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي، في الغلاف الجوي 435 جزءاً في المليون من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بنحو 280 جزءاً قبل التحول إلى التصنيع في القرن الـ 19.

وإذا واصلنا إطلاق هذه الغازات الضارة الناتجة عن أنشطة مثل حرق الوقود الأحفوري وقطع الغابات، فإن التركيزات قد تصل إلى 750 جزءاً في المليون بحلول نهاية هذا القرن. وإذا حدث ذلك فإن الارتفاع المحتمل في متوسط درجات الحرارة العالمي نسبة إلى زمن ما قبل الثورة الصناعية سيكون خمس درجات مئوية أو أكثر.

لم تشهد الأرض مثل هذا الارتفاع في درجات الحرارة منذ 30 مليون عام. والآن بات لزاماً على الجنس البشري، الذي لم يكن له وجود على الأرض قبل 200 ألف سنة، أن يتعامل مع بيئة أكثر عدائية من أي وقت مضى. فسوف تصبح الفيضانات والجفاف أكثر شدة، وسترتفع مستويات سطح البحر عدة أمتار، الأمر الذي لا بد أن يسفر عن اضطراب حياة الناس وحرمانهم من موارد الرزق، وأن يؤدي إلى تحركات سكانية كثيفة وصراعات محتمة في مختلف أنحاء العالم. فضلاً عن ذلك فإن بعض أجزاء العالم سيغمرها الماء؛ وستتحول أجزاء أخرى منه إلى صحراوات.

إن بلدان العالم النامي تدرك عدم إنصاف الموقف الراهن وتشعر بالغضب إزاءه. ذلك أن المستويات الحالية من الغازات المسببة للانحباس الحراري ترجع في أغلبيتها إلى التصنيع في بلدان العالم المتقدم منذ القرن الـ 19. ورغم ذلك فإن البلدان النامية هي الأكثر عُرضة للمخاطر والعواقب المترتبة على تغير المناخ، الذي يهدد النمو الاقتصادي اللازم للتغلب على الفقر. وفي الوقت نفسه فإن خفض مستويات انبعاث الغازات الحالية بالدرجة المطلوبة ليس بالأمر الوارد من دون المساهمة المركزية من جانب بلدان العالم النامي.

إن تغير المناخ والفقر هما التحديان المميزان لهذا القرن، ولا بد من التعامل مع التحديين معاً. وإخفاقنا في التصدي لأحد هذين التحديين يعني الفشل في التصدي للآخر. والمهمة التي تواجه العالم الآن تتلخص في الالتزام بقيود واضحة في التعامل مع الكربون والعمل في الوقت نفسه على خلق النمو اللازم لرفع مستويات معيشة فقراء العالم.

ولتجنب المخاطر الشديدة التي ستنجم عن ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية لأكثر من درجتين مئويتين، يتعين علينا أن نعمل على خفض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للكرة الأرضية إلى أقل من 450 جزءاً في المليون. وهذا سيتطلب خفض الانبعاثات العالمية السنوية من نحو 50 جيجا طن من معادل ثاني أكسيد الكربون إلى أقل من 35 جيجا طن بحلول عام 2030، ثم أقل من 20 جيجا طن بحلول عام 2050. اليوم، يبلغ نصيب الفرد السنوي في الانبعاثات الغازية في الاتحاد الأوروبي 12 طناً، وفي الولايات المتحدة 23.6 طن، مقارنة بنحو ستة أطنان في الصين، ونحو 1.7 طن في الهند. وحيث إن التوقعات تشير إلى أن تعداد سكان العالم سيبلغ نحو تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050، فلا بد من تخفيض نصيب الفرد السنوي في الانبعاثات الغازية إلى ما يقرب من طنين من معادل ثاني أكسيد الكربون في المتوسط، حتى يصبح الإجمالي السنوي العالمي أقل من 20 جيجا طن. إن أغلبية البلدان المتقدمة تستهدف تخفيض الانبعاثات الغازية بما لا يقل عن 80 في المائة ـ نسبة إلى مستويات عام 1990 ـ بحلول عام 2050. وإذا كانت البلدان المتقدمة راغبة في إقناع البلدان النامية بأن هدف عام 2050 قابل للتحقيق، فيتعين عليها أن تكون طموحة وواقعية في التعامل مع التحديات السياسية الداخلية التي تواجهها فيما يتصل بتبني وتلبية الأهداف الملحة لعام 2020، وعام 2030، وعام 2040. وتحتاج البلدان النامية إلى مساعدات كبيرة ودعم من البلدان الغنية حتى تتمكن من تلبية أهداف خططها الخاصة في تحقيق النمو الاقتصادي المنخفض الكربون، فضلاً عن التكيف مع التأثيرات الناجمة عن تغير المناخ التي أصبحت الآن محتمة الحدوث على مدى العقود القليلة المقبلة. كما يتعين على البلدان المتقدمة أن توفر الدعم القوي للتدابير الرامية إلى وقف إزالة الغابات في البلدان النامية، وخفض الانبعاثات بصورة ملموسة وبسرعة وبتكاليف معقولة.

واستناداً إلى تقديرات حديثة للمتطلبات الإضافية من جانب العالم النامي نتيجة لتغير المناخ، فإن البلدان الغنية لا بد أن تقدم للعالم النامي دعماً مالياً سنوياً ـ فضلاً عن التزامات المساعدات الخارجية القائمة ـ يبلغ نحو 100 مليار دولار لمساعدتها في التكيف مع التأثيرات الناجمة عن تغير المناخ ونحو 100 مليار دولار أخرى لتخفيف تلك التأثيرات بحلول مطلع العقد الثالث من القرن الـ 21. ومن الممكن توفير جزء من المبلغ الأخير من خلال سوق الكربون. ويتعين على البلدان الغنية أيضاً أن تثبت أن النمو منخفض الكربون أمر ممكن من خلال الاستثمار في التقنيات الجديدة التي لا بد من تقاسمها مع البلدان النامية من أجل دعم جهود التخفيف.

والآن بدأنا نشهد بالفعل الابتكارات غير العادية التي يقدمها القطاع الخاص، التي ستعمل على دفع التحول نحو الاقتصاد العالمي منخفض الكربون. ومن الممكن أيضاً أن تسهم الاستثمارات في كفاءة الطاقة والتقنيات منخفضة الكربون في انتشال الاقتصاد العالمي من التباطؤ في غضون العامين المقبلين. والأهم من ذلك أن هذه التقنيات قادرة من خلال الدفع نحو النمو منخفض الكربون على خلق الفترة الأكثر ديناميكية وإبداعاً في تاريخ الاقتصاد، التي ستتجاوز أهميتها بلا أدنى شك اختراع السكك الحديدية، أو شبكات الطاقة الكهربية، أو حتى شبكة الإنترنت.

لا يوجد بديل حقيقي، فالنمو مرتفع الكربون محكوم عليه بالزوال، حيث يصاب بالشلل نتيجة لارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، ثم تقضي عليه تماماً البيئة العدائية الناجمة عن تغير المناخ. أما النمو منخفض الكربون فسيكون أكثر ضماناً لإمدادات الطاقة، وأكثر نظافة وهدوءاً وأماناً، وتنوعاً على المستوى البيولوجي. يتعين علينا أن نتعلم من الأزمة المالية أننا لو تجاهلنا التهديدات والمخاطر فإن العواقب ستكون وخيمة حتماً في نهاية المطاف. وإذا لم نبدأ على الفور في مكافحة تدفق الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي فإن التركيزات في الغلاف الجوي ستستمر في النمو، الأمر الذي من شأنه أن يجعل العمل في المستقبل أشد صعوبة وأكثر تكلفة. قد يكون بوسعنا الآن أن نؤجل أشكال الإنفاق العام الأخرى، ولكن تأجيل التدابير الخاصة بمكافحة تغير المناخ يشكل خياراً باهظ التكاليف ومحفوفاً بالمخاطر. إن تغير المناخ يفرض تهديداً خطيراً على مستقبلنا الاقتصادي، في حين يعدنا النمو المنخفض الكربون بعقود من الرخاء المتزايد. إن الخيار في كوبنهاجن سيكون جلياً واضحاً، والمخاطر لن تكون أعلى مما هي عليه الآن بالفعل. ونحن ندرك تمام الإدراك ماذا يتعين علينا أن نفعل، ولا شك أننا قادرون على الاضطلاع بهذه المهمة.

منتدى الاقتصادية 2026