تحدثنا في المقال السابق عن دور القطاع العقاري في الدورة الاقتصادية في المملكة ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي السعودي, كما ألقينا الضوء على تطور آليات الاستثمار في القطاع العقاري السعودي, واستعرضنا أخيراً أحد استطلاعات الرأي والذي أجرته إحدى الجهات المتخصصة في الشؤون العقارية مع عديد من المطورين والمستثمرين والمهتمين بالشأن العقاري حول أسباب تعثر المساهمات العقارية وسردنا لعديد من الفروقات ما بين آلية عمل المساهمات العقارية والصناديق الاستثمارية العقارية.
وفي مقالنا هذا نكمل الحديث عما تم البدء به فقد ظلت المساهمات العقارية تسيطر على سوق تمويل العقارات في المملكة طيلة 35 عاماً, وكانت الوعاء الاستثماري شبه الوحيد الذي يقدم خدمة تمويل العقارات في السعودية, وقد سجلت هذه المساهمات العديد من الإيجابيات و الكثير من السلبيات أيضاً والتي أدت إلى ضياع الكثير من الأموال وحقوق المساهمين, وعلى الرغم من سعي الدولة إلى تقييد المساهمات العقارية والحد من المشكلات الكثيرة الناجمة عنها من خلال وضع الشروط التي تنظم عملها إلا أن ذلك لم يسعف المساهمين خاصة الصغار منهم إلى ضمان أموالهم لدى عدد من الشركات العقارية، الأمر الذي أدى إلى توقف المساهمات العقارية وتوقف الدولة ممثلة في وزارة التجارة والصناعة عن إصدار التراخيص لهذه المساهمات.
كل هذه العوامل دفعت الحكومة ممثلة في هيئة السوق المالية إلى اشتراط وجود صندوق استثماري لأي مساهمة عقارية يمكن أن تطلق في السوق وذلك في محاولة منها لإعادة الحياة إلى المساهمات العقارية التي خسرت جزءاً كبيراً من مصداقيتها في السابق نتيجة للمساهمات الوهمية والمتعثرة.
وقد أدى إشراف هيئة السوق المالية على صناديق الاستثمار العقاري إلى إعطاء المزيد من الأمان والطمأنينة للمستثمرين كما ساعدت أيضاً على زيادة ثقتهم بتلك الصناديق, حيث يدار نظام الصناديق العقارية من قبل شركة استثمارية مرخصة من الهيئة, ومن شأن ذلك أن يجعل علاقة الشركة مع المشتركين في الصندوق علاقة الوكيل المسؤول لتنظيم مسؤولية جميع الأطراف ذات العلاقة في المشروع العقاري موضوع الاستثمار.
وفي الاستطلاع السابق نفسه حول إشراف هيئة السوق المالية على الصناديق العقارية أكد غالبية أفراد العينة أن إشراف الهيئة على هذه الصناديق يعد أمراً جيداً للغاية, وأوردوا في ذلك عديد من الأسباب والتي من أهمها: أن الهيئة تعد بديلاً جيداً لعدم وجود جهة عقارية مختصة يعمل تحت مظلتها السوق العقاري بالسعودية, كما أن الهيئة لديها الإمكانات المادية والبشرية والقدرة التنظيمية لحل مشكلات السوق العقاري, كما أنها قادرة على إلزام غير الملتزمين في السوق. وفي ظل وجود فجوة في القطاع العقاري سواء السكني أو التجاري فإنه من المتوقع أن يكون لصناديق الاستثمار العقارية دور كبير في سد هذه الفجوة وأن تحظى بإقبال المستثمرين عليها.
#2#
ومع التطورات الحديثة التي طرأت على البيئة الاستثمارية في المملكة ونتيجة لتعثر عدد كبير من المساهمات العقارية التي تم استغلالها من قبل بعض النفوس الضعيفة، كان لزاماً أن يتم تطوير هذه المساهمات العقارية والقناة الاستثمارية المهمة المؤثرة في الاقتصاد وإنشاء قناة استثمارية جديدة تتواكب مع ما هو معمول به في الأسواق الخارجية وذلك للحفاظ على ثروات المستثمرين وضمان حسن توجيه هذه الاستثمارات بما يعود بالنفع على جميع العاملين في هذا المجال سواء المستثمرين أو المستفيدين من الأنشطة العقارية (كمساهمين).
ولو ألقينا نظرة على الجدول رقم «1» لوجدنا عدد من الملاحظات ومنها:
- ارتفاع أعداد الصناديق العقارية في 2007 إلى أربعة صناديق عقارية مقارنة بثلاثة صناديق في 2006 بنسبة زيادة قدرها 33.3 في المائة. وبزيادة صندوق استثمار عقاري واحد خلال 2007 فقط، ومن ثم ثبت عدد الصناديق لعام 2008.
- تمثل الصناديق العقارية ما نسبته 1.4 في المائة في 2006، 1.7 في المائة لعام 2007، و1.52 في المائة فقط من إجمالي الصناديق الاستثمارية في 2008.
- ارتفع حجم أصول الصناديق العقارية في 2007 إلى 1.591 مليون ريال بزيادة 692 مليون ريال على 2006 والذي بلغت فيه حجم الأصول 899 مليون ريال وقد بلغت نسبة الزيادة في 2007 نحو 77 في المائة، ومن ثم ارتفعت في 2008 لتصل إلى 2.293 مليون ريال بزيادة نسبتها 44.12 في المائة على 2008.
- تمثل أصول صناديق الاستثمار العقارية ما نسبة 1.5 في المائة فقط من إجمالي أصول الصناديق الاستثمارية في 2007، 3.06 في المائة من 2008.
- أن الهيئة قامت بإصدار ترخيص واحد فقط في عام 2007م لصندوق استثمار عقاري وهو صندوق كسب العقاري (مخطط طيبة العقاري) لصالح مجموعة كسب المالية.
أما في 2009 فقد حققت الصناديق العقارية السعودية انخفاضاً ملحوظاً, وتصدرت قائمة انخفاضات هذه الصناديق الصندوق العقاري العالمي التابع لبنك الرياض بنسبة انخفاض بلغت 29.29 في المائة ليغلق سعر الوثيقة 3.5258 دولار أمريكي في 13 آذار (مارس) 2009 مقارنة بسعر الوثيقة منذ بداية العام و الذي بلغ 4.9866 دولار. يذكر أن هذا الصندوق تم تأسيسه في آب (أغسطس) 2007 ويهدف الصندوق إلى تنمية رأس المال المستثمر على المدى الطويل من خلال الاستثمار في أسهم العقار، ويستثمر الصندوق في أسهم الشركات التي تعمل أساساً في مجال صناعة العقار والاستثمارات العقارية في مختلف الأسواق المالية العالمية. وقد جاء بعد ذلك صندوق العقار التابع لبنك البلاد منخفضاً بنسبة 19.92 في المائة ليغلق سعر الوثيقة على 0.3631 ريال في 12 آذار (مارس) 2009 مقارنة بسعر الوثيقة منذ بداية العام و الذي بلغ 0.4534 ريال. ومن الجدير بالذكر أن صندوق عقار تم تأسيسه في كانون الثاني (يناير) 2007، ويهدف الصندوق إلى تنمية رأس المال على المدى الطويل من خلال الاستثمار في الشركات العقارية الخليجية, أما صندوق الأهلي للعقار العالمي فقد حقق أقل انخفاضاً بين الصناديق العقارية السعودية حيث كان منخفضاً بنسبة 15.08 في المائة ليغلق سعر الوثيقة على 0.4786 دولار في 16 آذار (مارس) 2009م مقارنة بسعر الوثيقة منذ بداية العام والذي بلغ 0.5519 دولار أمريكي. ومن الجدير بالذكر أن صندوق الأهلي للعقار العالمي تم تأسيسه في كانون الأول (ديسمبر) 2007، ويهدف إلى تحقيق نمو طويل الأجل على رأس المال من خلال الاستثمار في الأسهم العقارية مثل أسهم الشركات الاستثمارية العقارية, كما أن اللافت للنظر هو قيام جهة استثمارية واحدة فقط للدخول في صناعة الصناديق العقارية حسب اللائحة المنظمة لها والصادرة عن هيئة السوق المالية وهي مجموعة كسب المالية التي أطلقت عدة صناديق عقارية منذ ذلك الوقت حيث بلغت عددها حتى إعداد هذا التقرير أربعة صناديق عقارية وهي: صندوق كسب مخطط طيبة العقاري، صندوق كسب فيو تاور العقاري، صندوق كسب فلل الرحاب العقاري وصندوق كسب بيت مكة العقاري فيما اتخذت بعض الشركات المالية خطوات مماثلة بالحصول على التراخيص فقط دون الإطلاق الفعلي لها.
وهناك عديد من الاقتراحات القيمة التي من الممكن لو طبقت أن تنهض بالقطاع العقاري في المملكة في فترة ليست بالطويلة, ويمكن تقسيم هذه المقترحات إلى عدة أقسام ونبدأها بالمقترحات في كيفية تطوير مفهوم المساهمات العقارية وكان من أهم المقترحات الآتي:
- إنشاء شركات ضخمة للتطوير العقاري.
- المرونة في الأنظمة الحكومية والقضاء على الفساد والبيروقراطية.
- دراسة المشاريع دراسة جيدة لتوفير الفرص الاستثمارية المتميزة مما سيؤثر تبعاً في ارتفاع مستوى الثقة والمصداقية.
- ضرورة وجود جهة مختصة يعمل تحت مظلتها جميع العقاريين, وكذلك إنشاء هيئة عليا للعقارات تتولى أمور القطاع العقاري نظامياً وتشريعياً.
- أن تكون هناك كيانات متخصصة في مجال التطوير العقاري وتكون البنوك المسؤول الأول عنها.
- إيجاد تشريعات حديثة خاصة بالمساهمات العقارية.
- ضرورة وجود إشراف من الدولة على المساهمات العقارية.
- المتابعة الجادة والقوية من الأجهزة التنفيذية.
وإذا انتقلنا إلى الضمانات الحكومية التي يجب توفيرها للحد من المشكلات التي تحدث من المساهمات العقارية فكانت الاقتراحات كالتالي:
- رهن صك الأرض المساهمة لدى الدولة .
- المتابعة الجادة للمطور من قبل الأجهزة التنفيذية .
- فتح حساب خاص لمبالغ التطوير تكون إدارتها بين البنك والمطور.
- ضمان بنكي بجزء من المبلغ, و تأمين طرح المساهمة .
- لا بد أن يكون أصحاب المساهمات أشخاص معروفين ولديهم سجلات تجارية.
- يجب إثبات ملكية الأرض.
-تحديد جهات خاصة مسؤولة عن الإشراف والإطلاع المباشر والمستمر على المساهمات العقارية.
#3#
أما عن أهم العوائق التي تواجه المستثمرين العقاريين في المملكة فإن نظام البلديات المعمول به حالياً والتعامل معها يأتي على رأس هذه العوائق, ثم يأتي بعد ذلك الروتين والبيروقراطية والأنظمة القديمة, وكذلك نظام التمويل العقاري المعمول به حالياً والذي من المتوقع تحديثه خلال هذا العام, غياب المرجعية العقارية بمعني أنه لا توجد هيئة واحدة مسؤولة عن العقار, وأخيراً انخفاض مستوى الشفافية والمعلومات والإحصاءات العقارية التي تقدمها المؤسسات المختصة بذلك.
أما عن أهم المقترحات بخصوص إجراءات تراخيص البناء فيمكن تقليص وقت الإجراءات واختصارها وتفويض المكاتب الهندسية بمهام البلديات والأمانات, بشرط أن يكون المرخصون من ذوي الخبرة والمعرفة وليسوا من الخريجين الجدد الذين تنقصهم الخبرة والمعرفة.
وقد قدم أفراد العينة بعض الاقتراحات للارتقاء بمستوى التطوير العقاري وكانت هذه الاقتراحات كالتالي:
- دعم شركات التطوير العقاري والعمل المشترك مع الجهات الحكومية.
- دعم المستثمرين العقاريين مادياً و معنوياً.
- إنشاء شركات عملاقة وطنية تعمل برأسمال وطني وعمالة وطنية.
-تطوير النظام القضائي وإصدار نظام الرهن العقاري والأنظمة المتعلقة به.
- تسهيل الإجراءات الحكومية.
- التنظيم الجيد للشوارع الرئيسة ووضع ضوابط لعملية البناء.
- تسهيل علمية الحصول علي البيانات والمعلومات.
- إنشاء هيئة للسوق العقاري. - إعطاء الأولوية للاعتبارات الإنسانية في بناء المدن من خلال المحافظة علي البيئة الطبيعية والتركيز على الاستدامة.
وفي النهاية قدم أفراد العينة عدة مقترحات لتطوير النظام العقاري في المملكة بصفة عامة, ويمكن تلخيص هذه المقترحات في النقاط التالية:
- عمل أنظمة خاصة تتولى الإشراف على النظام العقاري.
- ضبط عملية صدور الصكوك للأراضي بحيث لا يتم إصدار صكوك للأراضي الخام إلا بعد تطويرها.
- إنشاء هيئة متخصصة في شؤون العقار.
- إيجاد نظام واضح للعمل العقاري.
- تبسيط الإجراءات والتراخيص وتسهيل إجراءات البلدية.
- تسهيل عملية التمويل. -تطوير النظام القضائي وإصدار نظام الرهن العقاري والأنظمة المتعلقة به.
- توفير الخدمات في المواقع.
- تنظيم العلاقة بين المستأجر والعقاري.
ومن المتوقع في المستقبل أن تكون الصناديق الاستثمارية العقارية جاذبة للاستثمار من قبل المستثمرين وأن تكون سوقاً موازية لسوق الأسهم يتاح من خلالها للمستثمر أن يشتري ويبيع وحداته في صناديق الاستثمار العقاري.
الخاتمة:
تتفق توجهات وطموحات المتعاملين والمستفيدين والمشرعين على ضرورة إجراء تحديثات قد تصل إلى الجذرية للقطاع العقاري ككل.
ويعود ذلك إلى الأهمية القصوى لهذا القطاع بفضل ضخامة الاستثمارات وكبر السوق العقارية السعودية وتشعبها ونسبة إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي, وكذلك تزايد الطلب على الوحدات السكنية والتجارية, فضلاً عن الإنفاق اللا محدود على مشاريع البنية التحتية والمشاريع العقارية العملاقة كالمدن الاقتصادية والجامعات وغيرها من المشاريع والذي تقوم به الدولة رعاها الله بغرض دفع عجلة التنمية وتطور البلاد. وقد بدأت الدولة بالفعل في معالجة الكثير من القضايا وسن القوانين والأنظمة المشرعة لها والذي كان من أهمها تنظيم عمل المساهمات العقارية وحصرها في الشركات المرخصة لها ضمن لائحة الصناديق العقارية والتي تشرف عليها هيئة السوق المالية السعودية ونظام الرهن العقاري الذي وجه الملك حفظه الله إلى ضرورة الإسراع بالانتهاء منه والذي يتوقع أن يصدر قبل نهاية العام الجاري. إلا أن المطلب الأهم هو توحيد هذا القطاع الضخم والرئيس في حياة المواطن تحت مظلة واحدة تكون المسؤولة عنه مسؤولية تامة وتكون إحدى أهم أعمالها تطوير وتحديث الأنظمة والتشريعات المتعلقة به كما أنها مرجع موحد لجميع القضايا العقارية, وتكون من مسؤولياتها خلق التوازن بين العرض والطلب حتى لا يتعرض هذا القطاع لأي هزة تؤثر في أدائه ونموه في المستقبل.
