الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ما أكثر الدول سعادة؟ مفاهيم جديدة للرفاه الاقتصادي (2)

فهد إبراهيم الشثري
فهد إبراهيم الشثري
السبت 10 أكتوبر 2009 3:11

تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن مفهوم جديد للأداء الاقتصادي يتم مناقشته حالياً وظهرت نتائج بحثه في تقرير مفوضية قياس التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي قاده كل من جوزف ستيجلتز وأمارتيا سنق الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد بتكليف من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حيث يوضح التقرير أن مفهوم الناتج المحلي الإجمالي لا يعكس بشكل دقيق التقدم الاقتصادي. والسبب في ذلك أنه يركز على قياس التقدم الاقتصادي السنوي من خلال قياس حجم الإنتاج المادي في المجتمع. ومشكلة استخدام مفهوم الإنتاج أنه يركز على التقدم الكمي في الإنتاج ويهمل التقدم النوعي الذي يميز كثيرا من الخدمات التي تقدم في المجتمع، كالتربية والتعليم والخدمات الصحية وخدمات المعلومات وقطاع الخدمات بشكل عام. وبالتالي فإن هناك حاجة إلى مفهوم يأخذ هذا التقدم النوعي في الحسبان.

ومن ناحية أخرى، فإن الخدمات التي تقدمها الحكومة تحسب في الناتج على أساس قيمة المدخلات وليس على أساس قيمة المخرجات للخدمات الحكومية. فالخدمات الصحية تحسب على أساس عدد الأطباء وتكلفة المشاريع الاستثمارية الصحية التي استثمرتها الحكومة خلال العام، لكن عدد المرضى الذين تم علاجهم والتغير الذي حدث خلال العام بين قيمة المدخلات والمخرجات في نهاية العام لا يتم أخذه في الحسبان عند حساب الناتج. وهو ما يجعل الناتج مقيماً بأقل من قيمته الحقيقية. والمشكلة ليست في أن هناك اختلافا حول عدم صلاحية الناتج المحلي لقياس الأداء الاقتصادي، لكنها تكمن في كيفية قياس التغيرات النوعية كمياً للوصول إلى مؤشر جيد للناتج المحلي الإجمالي.

وللانتقال إلى مفهوم أكثر شمولية في تقدير رفاه المجتمع والدولة يقدم التقرير خمس توصيات تحدد المعالم الرئيسة لتغيير مفهوم قياس الناتج. فمن ناحية يجب النظر إلى الرفاه المادي من خلال مقارنة الدخل والاستهلاك وليس التركيز فقط على الإنتاج. فعلى الرغم من إمكانية زيادة الناتج إلا أن الدخل قد ينخفض عند أخذ كل من الإهلاك لرأس المال (التلوث)، وتدفق الدخل من وإلى الدولة، والاختلافات في الأسعار في الاعتبار. لذلك فإن النظر إلى الاستهلاك والدخل يوضح بشكل أكثر جلاءً التغيرات في الرفاه المادي للمجتمع بدل التركيز فقط على الإنتاج .

أيضاَ من المهم التركيز على التغيرات في دخل واستهلاك القطاع العائلي بدلاً من التركيز فقط على الاقتصاد ككل, كما هو متبع حالياً. فهناك مؤشرات كثيرة تتعلق بالقطاع العائلي قد تعطي انطباعاً أفضل عن التحسن أو التراجع في الرفاه المادي في الدولة مثل قيمة الضرائب التي دفعها الأفراد في مقابل الخدمات التي قدمت لهم مثل الصحة والتعليم وغيرها والإعانات التي تلقوها في مجالات أخرى. كذلك يجب أن يؤخذ في الحسبان الخدمات النوعية المقدمة بواسطة الحكومة وتؤثر في رفاه المواطن، حيث لا يتم أخذها في الحسبان عند حساب الناتج، وبالتالي تقلل بشكل كبير من قيمته، وهذا سيمكن من مقارنة مستوى رفاه القطاع العائلي بين الدول بشكل أفضل من استخدام متوسط الدخل الفردي.

التوصية الثالثة تركز على الربط بين الدخل والاستهلاك والثروة من خلال ميزانية عمومية تعكس أصول والتزامات الدولة في تاريخ محدد. والهدف من ذلك متابعة تأثير أنماط الدخل والاستهلاك المرتبط به على ثروة الدولة في تاريخ معين ومن ثم أخذ تصور عن كيفية تأثير ذلك على الرفاه المستقبلي، حيث إن زيادة الدخل وزيادة الاستهلاك الحالي قد تزيد من الرفاه الحالي لكنها في الوقت نفسه قد تكون على حساب الرفاه المستقبلي. المشكلة أنه لا توجد لدى الدول طرق لحساب الميزانيات العمومية لها كتلك المتبعة في القطاع الخاص والتي تظهر بشكل واضح تأثير أنماط الإنفاق المختلفة على رصيد الثروة لدى المنشأة ومن ثم تعطي تصوراً عن إمكانية تأثير ذلك على استمرارية المنشأة في المستقبل في تحقيق أرباح.

التوصية الرابعة تحث على عدم التركيز فقط على التغيرات في متوسط الدخل الفردي ولكن توزيع هذا الدخل مهم أيضا ما يوجب أخذه في الحسبان عن عرض هذا المؤشر. فقد يؤدي ارتفاع الدخل العام للدولة إلى ارتفاع متوسط الدخل الفردي، لكن قد يكون جزءا كبيرا من هذا الدخل ذهب إلى فئة قليلة من الناس وبالتالي لم يؤثر في مستوى الرفاه الاقتصادي للفئات المتوسطة والمنخفضة الدخل. بل يعطي مؤشر توزيع الدخل فكرة عن تبعات سوء توزيع الدخل على المجتمع من خلال زيادة الجريمة والفساد, ومن ثم قد يكون لتلك الزيادة الظاهرية في الدخل أثر سلبي على الرفاه المادي العام في الدولة.

التوصية الأخيرة تطالب بتوسيع مفهوم مقياس الدخل ليشمل الأنشطة غير السوقية، مثل تلك الأنشطة التي يقوم بها الأفراد بأنفسهم كرعاية الأطفال مثلاً. مثل هذه الأنشطة قد تتحول إلى أنشطة تقدم في إطار خدمات من خلال السوق وتؤخذ في الحسبان كزيادة في الدخل عند قياس الأداء الاقتصادي, وبالتالي زيادة في مستوى الرفاه، لكنها لا تعدو كونها تحويلاً لهذا النشاط بين أفراد المجتمع. وفي المقابل قد يقوم الأفراد ببعض الخدمات التي تقدم عادة في السوق بأنفسهم, ومن ثم تعطي انطباعا خاطئا عن انخفاض مستوى الرفاه في المجتمع، مع أن ما حدث هو عملية تحويل للدخل بين أفراد المجتمع. وهذا يتطلب أن يتم أخذ ذلك في الحسبان لكي يتم قياس التغيرات في الرفاه المادي للمجتمع بشكل أدق وبالتالي اتباع السياسات الاقتصادية الملائمة لتعزيز ذلك الرفاه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية