بارك فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة في خطبة الجمعة أمس افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، واصفا هذه الجامعة بأنها الصرح العلمي الشامخ، والمعقل المعرفي العملاق، ومصدر الإشعاع الحضاري، والمنارة السامقة في سماء العلم والمعرفة.
وشدد فضيلته بعد أن استعرض فضائل العلم في بناء الحضارات والأمجاد مستشهدا بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية، على مركزية العلم المحورية في ديننا الإسلامي الذي جعل العلم، وطلب العلم واحدا من أهم ركائزه.. جاء ذلك في سياق خطبته التي كرسها لاستقبال العام الدراسي الجديد، وحث المعلمين والمعلمات في مختلف مراحل التعليم على التفاني في أداء رسالتهم بصفتهم المؤتمنين على أغلى ما يمتلكه الناس وهو عقول فلذات أكبادهم، وضرورة تربيتها وتنشئتها على العقيدة السمحة، وعلى منهج الاعتدال والوسطية، وتشجيعها على العلم والتعلم وقال فضيلته: ''إذا كان العالم يتنادى اليوم عبر هيئاته العالمية ومنظماته الدولية للإصلاح والتنمية ومكافحة الجهل والفقر والإرهاب، فإنه واجد في العلم النافع المبني على الإيمان الراسخ ضالته المنشودة، وفي أمجاد جيل متسلح بالعلوم والمعارف جوهرته المفقودة''، مؤكدا أن ديننا الإسلامي العظيم هو دين العلم والتعليم والهداية والإرشاد والنور والبرهان، وأنه لم يقف يوما عائقا أمام العلوم والمعارف دينية كانت أو دنيوية ''وقل ربي زدني علما''.. وأضاف فضيلته: ''أنه إذا كان هذا العصر هو عصر ثورة العلوم والثقافات، فإن أمتنا الإسلامية مطالبة وهي خير أمة أخرجت للناس، وأمة الشهادة على العالم، أن تدرك مسؤولياتها التاريخية في أهمية استثمار علوم العصر وتقاناته في أداء رسالتها العالمية العظمى، وأضاف فضيلته: ''إن من فضل الله علينا في هذه البلاد المحروسة ما ننعم به من خصوصية مميزة في مناهج التعليم وأهدافه وغاياته، وتواؤم بين مدخلات التعليم ومخرجاته، فالمناهج مفاخرـ بحمد الله. ومباهج، تغرس في نفوس الطلاب الولاء لله ثم لدينهم وولاة أمرهم وعلمائهم وبلادهم، وتعزز فيهم الجانب العقدي والأمن الفكري والانتماء الوطني لبلادهم المباركة''، وقدم فضيلته جامعة الملك عبد الله كنموذج أمثل لما توليه الدولة لصروح التعليم وقلاع المعرفة.. وقال في هذا الصدد: ''وإن من اقتران السعدين، وتحقق السعادتين وتجدد النعم ما تولى به صروح التعليم وقلاع المعرفة من اهتمام وعناية وبذل ورعاية، وشاهد ذلك الأمثل، ونموذجه الأشمل ذلك الصرح العلمي الشامخ، والمعقل المعرفي العملاق المتمثل في جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ وفقه الله ـ للعلوم والتقنية.. بما تمثله من مصدر إشعاع حضاري، ومنارة سامقة في سماء العلم والمعرفة، وإن كل محب للعلوم والمعارف ليبارك هذه النقلة النوعية الكبرى، والوثبة الحضارية العظمى، بما يحقق الأصالة والمعاصرة، ويعيد للأمة ـ بإذن الله ـ سالف مجدها وحضارتها.. إنها جامعة رائدة في أهدافها، سامية في مقاصدها، نبيلة في غاياتها...''، داعيا الله تعالى أن يُري رائدها ما تقر به عينه، وتبتهج به نفسه ونفوس الأمة جميعا في تحقيق رسالتها السامية، وآثارها المباركة، وليطمئن الجميع بأن هذا المشروع الحضاري العملاق في أيد أمينة وربان مهرة، واصفا الجامعة بأنها شجرة مباركة في دوحة عظيمة.. كما حذر فضيلته من الاسترسال وراء الشائعات المغرضة، التي يريد أعداء الأمة وخصوم المجتمع أن تتقاذف سفينتها أمواج الفتن.
وإذا ما كان منبر الحرم قد ظل على الدوام حاملا لمشعل العلم والإيمان.. بوصفهما ركائز حضارتنا الإسلامية التي فرضت حضورها من خلالهما، حينما دانت لها الريادة في العالم في عصر الخلافة وما بعده.. فإن ما جاء في خطبة فضيلة الشيخ السديس، ما هو إلا امتداد لتلك الرؤية الإسلامية الناضجة والعظيمة، التي تدفع باتجاه العلم، وتضعه في موضعه الذي يستحقه كقاعدة للنهضة التي ينشدها كل مسلم غيور، خاصة حينما تنبع من هذه الأرض الطيبة التي حملت مشعل الإيمان بيد ومشعل العلم باليد الأخرى لتنير للبشرية دروبها حيث انطلقت علوم الطب والجبر والبصريات، وعلوم الفلك وغيرها لتؤسس لهذه الحضارة العالمية التي بتنا نستورد منجزاتها بعدما كنا أول من زرع نواتها.

