جاءت بداية عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بجملة من البشائر الاقتصادية الإيجابية دعت مجلة ''البيزنيس ويك Business Week'' إلى أن تصف ما سيكون عليه الاقتصاد السعودي بقولها: إن المملكة العربية السعودية تستعد لعهد التأسيس الثاني، بإطلاقها مشاريع طموحة تزيد قيمتها على نصف تريليون دولار. وتهدف هذه البرامج إلى دعم خطط التنمية البشرية, بجانب الأخذ بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة مساهمة القطاع الخاص المحلي في تنفيذ مشاريع التنمية، وهي التي سيعوِّل عليها كثيرا في فتح آفاق جديدة من فرص العمل أمام الجيل الصاعد من شباب الوطن.
وفي لقاء مطول أجرته إحدى القنوات الفضائية قبل عدة سنوات مع الدكتور فاروق الباز العالم الجيولوجي الشهير في وكالة الفضاء الأمريكية, أكد الرجل أن السبيل الوحيد أمام الدول العربية للانعتاق من ربقة التخلف والانطلاق نحو آفاق التقدم واللحاق بركب الحضارة العالمي هو طريق المعرفة العلمية. هذا في الأجل الطويل، أما في الأجل القصير فقد نصح باستغلال الموارد الراهنة وتوجيهها نحو إقامة مجمعات اقتصادية جديدة كلية بحيث تكون خارج نطاق التجمعات السكانية الحالية. لأن هذا هو سبيل تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع يسمح بتوليد فرصة عمل إضافية متجددة أمام الأعداد المتزايدة من السكان، وزيادة الدخل زيادة تسمح بإعادة تغذية هذه المشاريع وضمان استمرار بقائها. لقد بات واضحا أن العنصر الحاسم لتحقيق نقلة نوعية حضارية في مسيرة التنمية الاقتصادية الاجتماعية لأية أمة، إنما يكمن في صناعة المعرفة. هذا ما جرى في الغرب منذ عصر النهضة، ويجري الآن في الدول الناهضة في الشرق. إن التعليم هو سبيل اللحاق بالصناعات المربحة والرائدة في عصرنا. وهي تنحصر تقريبا في سبعة مجالات: الإلكترونيات الدقيقة، التكنولوجيا الحيوية، صناعة المواد الجديدة، الاتصالات السلكية واللاسلكية، الطيران المدني، الإنسان الآلي والآلات الصناعية، الحاسبات الآلية وبرامج التشغيل. والناظر يرى أن هذه الصناعات تعتمد في استحواذها على العقل والمعرفة وليس على توافر الموارد الطبيعية. ليس هذا فقط، بل إن النجاح اليوم لن يكون من نصيب من يبتكر منتجات جديدة بقدر ما سيكون لمن يملك ناصية المنهج التكنولوجي أو القدرة على تطوير عمليات التكنولوجيا.
لذلك فإن أعظم إنجاز يمكن أن نحققه لأمتنا هو الاستثمار في التعليم. بيد أن هذا الاستثمار يقتضي أن تكون لدينا رؤية واضحة لنوعية التعليم المناسب لعالمنا المعاصر. ومن يتأمل صناعات المنافسة العالمية السبع المذكورة أعلاه يرى كم نحن في حاجة إلى مؤسسات تعليمية تقنية راقية تعمل وفق خطة معدة سلفا، تستطيع أن تستقطب أفضل الخريجين من أبنائنا، بحيث تركز برامجها التعليمية على مواد التكنولوجيا الحديثة، وأن تتم الدراسة فيها باللغة العالمية، وأن تدار بكفاءة عالية وبشفافية وبصورة مستقلة عن الروتين الحكومي، من خلال اتفاقيات تعاون مع أرقى المعاهد والجامعات التكنولوجية العالمية، وأن تستقطب لها الكفاءات العالية جدا، محلية كانت أم أجنبية.
وقبل تسع سنوات كتبت لولاة الأمر عن حاجتنا إلى مشروع تعليمي وطني جبار يتبنى ما تبنته دول الشرق الناهضة مثل برنامج كوريا الجنوبية الذي عرف تحت اسم Brain Korea21 . وكم أنا سعيد اليوم أن أرى افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية كمؤسسة تعليمية راقية، ستكون بحول الله إحدى مفاخر هذا العهد الزاهر. إن الإنجازات الكبيرة تبدأ بخطوة عظيمة. في الخمسينيات الميلادية من القرن العشرين خرجت كوريا محطمة من حربها ضد الاستعمار باقتصاد متهالك وإمكانات متواضعة، وموارد محدودة، وخبرات معدومة واليوم تتبوأ كوريا المرتبة الـ 13 على مستوى العالم من حيث حجم تجارتها الخارجية، والسر يكمن في التعليم والتدريب.
لقد كان للاستثمار في رأس المال البشري دور كبير في النمو السريع في الاقتصادات الآسيوية ذات الأداء المرتفع فقد ركز التعليم الأساسي في هذه الدول على اكتساب المهارات الأكاديمية العامة في حين ركز التعليم العالي على اكتساب المهارات المهنية. بل إن بعض هذه الدول لم تتردد في استيراد خدمات تعليمية واسعة النطاق بشكل كبير، خاصة في مناهج التقنية العالية. كما كان لبعثاتها الدراسية إلى الدول الغربية دور مهم في اكتساب المعرفة عالية المستوى. وتمكنت هذه الدول، من خلال اكتساب المعرفة التقنية العالية، من فك شفرة المعرفة في براءات الاختراع والتراخيص، وكذلك شفرة معدات وآلات الإنتاج المتخصصة غير المعدة للتبادل التجاري. كما قامت بعض هذه الدول مثل تايوان وكوريا بتخصيص جزء من مواردها نحو البحوث العلمية التي كانت تهدف إلى تحسين الصادرات وتخفيض تكاليف الإنتاج. وفي الوقت نفسه، فإنهم لم يغفلوا التدريب في موقع العمل، الذي كان أغلبه مدعوما من قبل الحكومة، وهو ما ساعد بدوره على استيعاب التقنية على نحو سريع.
قبل 40 سنة كانت كوريا تفتقر إلى المهارات، لأن اليابان منعت عن جيرانها اكتساب مثل هذه المهارات لمدة 50 سنة. والآن تستطيع كوريا تقريبا تصنيع أي منتج تماما كما تفعل الدول المتقدمة صناعيا، بل يمكن القول إن عددا من دول آسيا الناهضة مثل الصين وكوريا والهند تمكنت من منافسة الدول الصناعية في بعض الأنشطة الاقتصادية بسبب قدرتها على الابتكار وتحسين الإنتاجية, وكل ذلك كان بفضل التعليم والتدريب.
سيسجل التاريخ للملك عبد الله هذا الإنجاز العلمي بأحرف من نور، كما سجل للملك فيصل تأسيسه كلية البترول والمعادن كصرح علمي نوعي قبل نحو 45 عاما.
