وفي محاولة لتقييم تغطية وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية للأزمة المالية العالمية كتب لنا الخبير الإعلامي الدكتور عثمان أبوزيد قائلاً :
من الطبيعي أن تستحوذ الانهيارات الكبيرة لأسواق الأوراق المالية والأسواق الأخرى منذ الربع الأخير لعام 2008م، على اهتمام الإعلام الدولي، فالأزمة لها انعكاساتها وتداعياتها المؤثرة في الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كل العالم.
لقد تساءل البعض: أين كانت وسائل الإعلام قبل الأزمة ولماذا لم تستطع توقع الأزمة والقيام بعمل استباقي بالتحذير منها؟
لن يكون مدهشاً إذا علمنا أن الحديث عن قضايا الائتمان وتوقع التقلبات الاقتصادية كان متداولاً قبل الإعلان عن وقوع الأزمة. وربما أن التقارير الخاصة والدراسات العلمية المتخصصة كانت متاحة. ولكن لا بد من القول إن وسائل الإعلام وفقاً للمعايير القائمة لديها لم تتناول الموضوع إلا بعد وقوع أحداث مثيرة مثل انهيار بنك أو الإعلان عن إفلاس شركة. ومن طبيعة وسائل الإعلام انشغالها بالحوادث الاستثنائية، بل إن الرأي العام نفسه لا ينتبه إلا للقصص المثيرة والصدمات، في حين أنه يتجاهل القضايا والاتجاهات.
إن القصص الإنسانية الكبرى ليست أحداثاً، بل هي عمليات، مثل قضية التلوث البيئي وسوء التغذية وقضايا الفساد المالي والأخلاقي. ولكن كما قلنا وسائل الإعلام تهتم فقط بالمشكلات اليومية مع تجاهل العمليات التي تصنع تلك الأحداث.وإذا ما افترضنا أن المعلومات المتوافرة عن المشكلات والقضايا صحيحة وموثقة، فإن مصداقية وسائل الإعلام صارت في المحك. لا ينسى العالم ما تعرض له من تضليل متعمد في احتلال العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل.والعالم يمكن أن يصاب بالرعب والتوتر من تقارير هيئة الصحة العالمية عن إنفلونزا الخنازير، ولكنه يواجهها بعدم اليقين لأن ثقته ضعيفة في الإعلام الدولي. هناك شعور بوجود استنفار غير عادي للإعلام في مشكلة يراها العالم أقل وطأة من مشكلة الجوع التي يموت الآلاف منها يومياً.وسائل الإعلام العالمية مرتبطة بقوى السوق والاحتكارات الصناعية، وهي امتداد للنفوذ المالي والصناعي. هذا مؤشر مهم في تقييم تغطيتها للأزمة المالية العالمية. إنها لا تستطيع أن تستقل بشروطها وبرؤيتها فهي محكومة بالإعلان وموجهة بالملكية المباشرة.
انظر إلى جميع وسائل الإعلام الأمريكية، تجدها امتدادا للاحتكارات والشركات العابرة للقارات.هناك مثال لمؤسسة إعلامية أمريكية مستقلة، حققت مجداً إعلامياً في حرب الخليج الأولى، وفي حرب كوسوفو التي اندلعت في ربيع 1999م. لقد تعرضت هذه المؤسسة للإدماج مع مجموعة أخرى، أعادتها إلى بيت الطاعة. وقد رأينا في حرب العراق الثانية كيف جاءت وسائل الإعلام ملحقة في ركاب الجيش.
يرى الكثيرون أن الأزمة المالية في جوهرها، أزمة ''إفصاح'' و''حوكمة''، فوجود معلومة اقتصادية ذات دقة وشفافية تعكس بصدق واقع الأسواق، أمر لا غنى عنه لاتخاذ القرار الصائب. وقد لجأت الهيئات المشرفة على أسواق المال والشركات والمؤسسات الاقتصادية المدرجة في بورصات الأسواق المالية بإنشاء أنظمة للحوكمة تضبط أعمالها وتلزمها بتطبيق حزمة من المبادئ يأتي في مقدمتها مبدأ الشفافية والإفصاح، ويقصد به حرية تدفق المعلومات، أي توفير المعلومات والعمل بطريقة منفتحة تسمح لأصحاب الشأن وحملة الأسهم stockholders بالحصول على المعلومات الضرورية للحفاظ على مصالحهم واتخاذ قراراتهم.
إن ما يثار حول قواعد الإفصاح والشفافية دروس مستفادة من الأزمة تنبه إلى وجود قواعد دولية تكون قادرة على ضمان تدفق حر ومتوازن للمعلومات الاقتصادية، تماماً مثلما لدينا قواعد متعارف عليها للسلامة الجوية.
ظل الإعلام الاقتصادي في تفاعل متواصل مع الأزمة محاولاً وشرحها وتفسيرها وتقديمها للرأي العام. ويمكن القول إن ما قدمه الإعلام الاقتصادي من حيث الكم غزير ومتنوع، أما من حيث الكيف فسوف يبقى الأمر مثار نقاش متواصل.ولا شك أن وسائل الإعلام رغم أوضاعها التي ذكرت، توفر معرفة ملائمة تسهم في رفع الجهل وتقديم المعلومات الأساسية التي دونها لا يستطيع أي نشاط صناعي أو اقتصادي أن يعمل. والدليل على ذلك ما نشهده من إقبال على الصحافة المتخصصة في مجال المال والأعمال، وهذا هو النمو الذي لاحظناه أخيراً في المنطقة العربية. غير أن الإعلام الاقتصادي محتاج إلى اقتراب أكثر من جمهوره، ومخاطبته بلغته، فهو وإن كان إعلاماً متخصصاً لا بد أن يتوجه إلى جمهور غير متخصص، حتى لا يكون الإعلام الاقتصادي ''دولة'' بين الاقتصاديين.
