مَن يرصد المبادرات العملية والتوجيهات السامية والكلمات والأقوال الصادرة عن خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وسواء كان الشأن يتعلق بالداخل أو الخارج سيجد أن كل ما قام به أو نطق يستهدف السلام كنتيجة والتسامح كمنهج للتواصل والحوار.
السلام والتسامح هما مرتكزا سياسة الملك عبد الله منذ تسنم زمام إدارة مهام الدولة وتجشم تبعات النهوض بها، فقد ثمن له العالم مثلما أحاطه بالحفاوة والتقدير أشقاؤه العرب حين قدم مشروع مبادرة السلام العربية التي عرفت باسمه في مؤتمر القمة في بيروت عام 2002م. وتواصل هذا النهج السامي في نشدان الاستقرار والسلام في مبادرته لحقن دماء الأشقاء في العراق من خلال جمع المعنيين بالمسألة العراقية في لقاء تم برعايته في مكة المكرمة مثلما جمع بمبادرة كريمة أخرى قادة الفصائل الفلسطينية في المكان المقدس ذاته بجوار الكعبة المشرفة، وكان همه بث روح التسامح ودفن الشطط والتعنت في رأي أو موقف لكيلا يستمرئ الأعداء سطوهم على الحقوق وطمس الحقائق وإبقاء شلال الدم والعنف لوأد أي أمل وإزهاق روح الأمة.
كان خادم الحرمين مثابرا للحيلولة دون التردي العربي في الكارثة وما زال، كما ظل في الوقت ذاته يدفع بمنهج التسامح خارج أفقه العربي إلى أفقه العالمي، فبادر بزيارته المشهورة للفاتيكان ولقاء البابا بنديكوت السادس عشر، في إشارة مكثفة إلى أهمية أن تسود روح التسامح بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية، بل وسائر أتباع الديانات التي من أجلها عقد مؤتمر حوار الأديان والثقافات بين الشعوب في مدريد وحوار الأمم في مبنى الأمم المتحدة، ثم حوار أتباع الديانات والثقافات في جنيف مكرساً يوماً فيوما، عاماً فعاماً الهدف ذاته والغاية ذاتها في أن يسود التسامح منهجا بين الخلق والدول وأن يعم السلام ربوع الكرة الأرضية برمتها.
هذا القائد العربي المسلم الإنساني الكبير، لم يكن فيما قام به أو قاله سوى النبراس والمثال دون زعم أو ادعاء، بل بعفوية صادقة وضمير حي، لا يعظ الناس ولا يوجههم أو يأمرهم بأمر لم يبدأ به بنفسه حتى وإن كان مما يعتبر في نظر المزايدين ومعكري المياه للصيد فيها شأناً ثقيل الوطأة على النفس، فالقائد الذي فتح قلبه للأخوة الإنسانية والتسامح قولاً وفعلاً لم يكن ليتردد أو ليجد حرجا في الخطو إلى أبعد مدى لوأد أسباب الاختلاف أو الخلاف والوقوف ضد ارتفاع جدران الجفاء أو حواجز القطيعة بين بلد عربي وآخر أو بين زعيم لهذا البلد الشقيق أو ذاك.. فصاحب القلب الكبير غير هياب من عظمة الصفح مجواد في صفاء النفس ونبل السريرة وليس بالرجل الذي يقف عند ملابسات الظروف أو ما تفرزه من قول أو قيل.
إنه عبد الله بن عبد العزيز، الشهامة العربية، الغيور على كرامة أمته وعلى كرامة أرضها وكرامة كل من ينتسب إليها، لذلك حين يأخذه الطريق اليوم إلى الجمهورية العربية السورية بدعوة من أخيه فخامة الرئيس بشار الأسد، ويقف أبو متعب بشموخه تحت سماء دمشق الأبية وفوق ثراها، فذاك تجسيد ما يعتمل في روحه النبيلة من صدق الشعور وحرارة الإحساس وعمق الولاء والانتماء لعروبته ومبادئ وتعاليم الإسلام الذي يجمع ولا يفرق، والذي يسمو بالجميع ويسمون به.
القائد في دمشق في زيارة أخوية ودية لوطنه الثاني وتبادل الرأي والمشورة مع شقيقه الرئيس بشار الأسد وبحث علاقات البلدين وقضايا السلام في المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في الأراضي المحتلة وأزمة تشكيل الحكومة في لبنان، وغيرها من الملفات التي يسعى الزعيمان إلى العمل معاً لصياغة موقف عربي موحد ينأى بالعرب عن التجاذبات الدولية والإقليمية ويجنبهم مغبة الاستقطابات في هذا الجانب أو ذاك.. لقاء يقطع الشكوك باليقين والإرجاف بالحسم في أن بين الأخوين القائدين زخما من الود وحرارة الوصال ما تقر به عيون الأمة والشرفاء في العالم ويغير صدور أولئك المرجفين في بعض وسائل الإعلام ممن يبثون سموم الأفكار بدميم الكلمات الحاقدة.
أجل .. خادم الحرمين الملك عبد الله في دمشق.. مشهد من مشاهده التاريخية التي عهدها العالم منه وثمّن عاليا له جلال تكرارها في مواقف عديدة سواء في المحافل الدولية أو في قاعات المؤتمرات.. ودائماً يتقدم خادم الحرمين بجسارة نادرة تنحاز لصناعة التسامح ونشر السلام.. يمضي شامخاً بتواضعه الجم يشد على الأيدي بموثق وعهد أمين لعلاقة سوية لمصلحة الشعوب مهما كانت المعوقات. وزيارته - حفظه الله - لدمشق اليوم تأكيداً على أن سورية الشقيقة في صدارة إعزازه وتقديره لها قيادة وشعباً وتأكيد على أن العمل العربي المشترك لمصلحة الأمة هو الهدف والغاية.
