إن تصرف باراك أوباما الأخير في الأمم المتحدة أزال كل شك متبقّ بالنسبة للنفوذ الإسرائيلي داخل هذه الرئاسة الأمريكية الجديدة، فعندما تلفّظ بعبارة «الدولة اليهودية لإسرائيل» وفر، بدقة، الاستفزاز المطلوب لضمان أن السلام في الشرق الأوسط سيظل مؤجلاً.
وعندما وافق الصهيوني المسيحي هاري ترومان في أيار (مايو) 1948 على الاعتراف بأرض خاصة بالمتطرفين اليهود الصهاينة كدولة قومية أسقط «الدولة اليهودية» وكتب «دولة إسرائيل»، ورغم التطمينات من الداعية الصهيوني حاييم وايزمان أن إسرائيل ستكون ديمقراطية خشي ترومان من أن تصبح الدولة الصهيونية ما أصبحت عليه: حكومة دينية عرقية ملتزمة بأجندة توسعية تتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة. وباراك أوباما نتاج سياسي للمجتمع اليهودي في الجانب الغربي من شيكاغو و»أول رئيس يهودي» وفقاً للمستشار السابق لبيت أبيض كلينتون، ابنر ميكفا، ومع أنه وصف بوكيل التغيير عندما أوحى طابع حملته الانتخابية بأن التغيير قد يشمل تحولاً في العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية فإن أولئك الاشكناز الذين أنتجوا هذه الظاهرة الرئاسية قد أظهروا سخطهم.
ومرشح التغيير الذي قام بسرعة بالجولات المطلوبة في تلك الأماكن المؤيدة لإسرائيل، حيث وعد المتبرعين له بأنه لن يكون هناك أي تغيير في تحالف متشابك، والذي يشكل، لدى العودة إلى الماضي، السبب الرئيس الذي يجعل الولايات المتحدة تجد نفسها في حرب في الشرق الأوسط، وأداؤه في الأمم المتحدة أثار أولئك الصهاينة الاستعماريين الذين أزعجت ازدواجيتهم ترومان، وفي الوقت ذاته فإن ملاحظته التي عبرت عن «الدولة اليهودية» كان من المضمون أن تلهب التوترات في المنطقة.
وفي التمهيد لهذا الخطاب أخبر الإسرائيليون أوباما بما ينوون القيام به ثم قاموا به، فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه سيستخدم عبارات متفقاً عليها من خريطة الطريق مقابل عملية أقوى ضد إيران، وعندما تغاضى أوباما عما سمع وفشل في الإصرار على أن تلتزم إسرائيل بالتجميد المتفق عليه للمستوطنات، حصل نتنياهو على ما سعى إليه – تأكيد على الحرب مع إيران وليس سلاماً مع الفلسطينيين.
وبدلاً من الإعلان عن تقدم في المفاوضات، لم يعلن أوباما إلا عن أمله في أن بالإمكان استئناف المفاوضات قريباً – ربما، وعندما رأت تل أبيب مدى سهولة تفوقها على هذا المفاوض المبتدئ أصبحت أجندتها أكثر تهوراً ووقاحة، وذكر أوباما للعبارة الرمزية «الدولة اليهودية» أكّد الدور المطرد لمديري المسرح أنفسهم الذين نقلوه بشكل مباشر من خطابه في القاهرة إلى زيارة تذكارية مصورة لمعسكر الموت في بوشنوالد في ألمانيا.
وفي تأكيد نفوذ المطلعين على الأمور من الصهاينة، فإن رام إيمانويل، الذي يوصف على نطاق واسع بأنه أقوى رئيس لطاقم البيت الأبيض طوال عقود، قام بدور بارز في هيئة الأمم المتحدة إلى جانب وزير الخارجية والسفير لدى الأمم المتحدة ومستشار الأمن القومي.
وكما هو الحال في القاهرة، فإن أوباما لم يفوّت فقط فرصة أخرى لبناء النوايا الطيبة بل فوّت فرصة استعادة المصداقية المتهاوية للولايات المتحدة بعد ثماني سنوات لرئيس صهيوني مسيحي، وبدلاً من تحقيق تقدم نحو السلام وفر صورة تذكارية أخرى تظهر الزعيمين الإسرائيلي والفلسطيني في مصافحة أيدٍ أخرى لا تمثل أي شيء.
ومتى سيدرك الأمريكيون أنهم تعرضوا للاستغفال من قبل حليف مزعوم؟ ومتى يصبح التصرف الرئاسي تواطؤا يستحق اللوم؟ ولماذا تتحدث الـ «نيويورك تايمز» عن تراجع في شعبية باراك أوباما في إسرائيل؟
والنقاد يعطون تحريفاً إيجابياً لهذه الكارثة في السياسة الخارجية بافتراض أن أوباما حشر نتنياهو في زاوية حرجة بالنجاح بالحيلة في قضية المستوطنات وإجبار الزعيم الإسرائيلي على ذكر مفاوضات الوضع النهائي، وهذا التحليل يخطئ الهدف، فبالنسبة لإسرائيل لا يوجد أي وضع نهائي، والهدف من هذه العملية التي تجري منذ ستة عقود هو المزيد من العمليات – لتجنب الحل.
وإذا قامت واشنطن بحشر إسرائيل في زاوية حرجة فإن تل أبيب سوف تشهد حكومة ائتلافية أخرى، أو تعلن الاستقالة، وكانت هذه خدعة بن غوريون في حزيران (يونيو) 1963، حين أصر جون كينيدي على عمليات تفتيش لوقف برنامج إسرائيل للأسلحة النووية، واستخدم أيهود أولمرت التكتيك التفاوضي نفسه حين ظهر أن خريطة الطريق يمكن أن تؤدي إلى اتفاقية للوضع النهائي، واستقالته التي جاءت في وقتها أعادت نتنياهو. والطرف الوحيد المحشور في زاوية حرجة هو الولايات المتحدة والمخرج هو إنهاء هذا التحالف المتشابك وإنهاء المخاطر التي تتهدد المصالح الأمريكية وهي المخاطر التي تخلقها هذه «العلاقة الخاصة» بشكل مؤكد، ولإحداث أثر عملي، ولإبقاء حكومة إسرائيلية سليمة يمكن التفاوض معها، فإن على الولايات المتحدة أن ترضي العناصر الأكثر يمينية من الحزب السياسي الأكثر يمينية في حكومة أجنبية يمينية سيئة الصيت، فكيف يمكن أن يكون هذا من مصلحة أمريكا؟
وكان اعتراف هاري ترومان بهذه الأرض كدولة شرعية ردة فعل مفرطة لرابطة فريدة من الظروف المحلية والدولية التي تم استغلالها لمصلحة متطرفين دينيين عنيفين، وتطهيرهم العرقي لفلسطين يجب الاعتراف به أو التصدي له. وبعد ستة عقود من الاحتلال والقمع فإن أفضل ما يمكن لرئيس أمريكي أن يقدمه للفلسطينيين هو ضمانة بأن حليفاً لأمريكا – سيجيء إلى الطاولة – إذا استؤنفت المفاوضات – بشروط مرجعية واضحة. فما هي الإهانة الأكبر التي يمكن لرئيس أمريكي أن يلحقها بالعالم العربي أكثر من مثل هذا الوعد الأجوف؟
وكان أداء أوباما مثيراً للشفقة، فهو في واقع الأمر أعطى الضوء الأخضر لجريمة جماعية أخرى في الولايات المتحدة أو في الاتحاد الأوروبي، وكجزء من التهيئة المسبقة لمنطق مقبول آخر لغزو بلد شرق أوسطي آخر فإن وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة أساءت تفسير ملاحظات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أمام الأمم المتحدة وأعطت الصدقية أن إيران تشكل تهديداً نووياً. فذلك التصوير «للشرير» يتمشى مع التهيئة المسبقة لعمليات أخرى تغري الولايات المتحدة بشن حرب بذرائع زائفة.
ويمكن أن تكون الحادثة التالية نووية، ففي الوقت الذي يذعن فيه أوباما للمطالب الإسرائيلية فإن وزير الدفاع أيهود باراك كان يجتمع مع وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس، ليؤكد له أن تل أبيب قد تهاجم إيران، وفي مؤشر آخر لجمهور على نطاق عالمي على من الذي يرسم السياسة الخارجية الأمريكية فإن رئيس البنتاجون رافقه دينيس روس، الذي انضم إلى فريق أوباما الاستشاري حول إيران، من مؤسسة فكرية تتبع للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، (إيباك). وللمرة الأولى في التاريخ، يترأس رئيس أمريكي اجتماعاً لمجلس الأمن الدولي، ومع أنه أتيحت له مناسبة لتحذير حليف من عدم مفاقمة سباق الأسلحة النووي الذي سعى كينيدي إلى وقفه وهو في مراحله الأولى، فإن أوباما ركّز بدلاً من ذلك، على إيران، وتجاهل تحذيراً بأنه البلد الوحيد في الشرق الأوسط المعروف بامتلاكه ترسانة نووية، والبلد الوحيد القادر على تحقيق نتائج إزاء تهديد الانتشار.
وكإهانة أخرى للدول العربية فإن فريق أمريكا التفاوضي حث تلك الدول على توفير إشارات دبلوماسية للنوايا الطيبة مع عدم وجود أي مؤشر للنوايا الطيبة من جانب إسرائيل، أو تقديم «تنازلات جوهرية» كما قال نتنياهو، ولم يقدم أي سبب لماذا يجب أن يوافقوا على القيام بهذا، بعد احتمال أكثر من 60 سنة من الازدواجية بلا توقف؟
وافتراض أي جهة أن إسرائيل تتصرف بنوايا طيبة يعكس سوء قراءة محفوفة بالمخاطر للتاريخ، فما شهدناه في الأمم المتحدة هو كيفية شن الحرب في عصر المعلومات، ولم يكن هذا سلوك حليف لأمريكا أو دولة تستحق الدعم أو الصداقة أو الأسلحة أو حتى الاعتراف من قبل أمريكا. وأي استرضاء آخر لهذا المعقل المتطرف يمكن اتهام أوباما، على حق، بانتهاك قسم الولاء في المنصب للدفاع عن الولايات المتحدة من جميع الأعداء المحليين والأجانب.
خاص بـ «الاقتصادية»
Salem - News -Com
