الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

60 عاما على جمهورية الصين الشعبية.. انقسام أم سلسلة متصلة؟

أندرياس لي
الاثنين 5 أكتوبر 2009 4:19

أطلقت الصين في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) مهرجاناً ضخماً للاحتفال بالذكرى السنوية الستين للجمهورية الشعبية وفي كل الاحتمالات، إن هذا الاحتفال دخل التاريخ كبيان رسمي آخر يؤكد انبعاث المملكة الوسطى بعد النجاح المذهل الذي أمنته الصين في أولمبياد موسكو في العام الماضي، وبمزج متشابك مع الجو الاحتفالي الذي يبدو أن البلاد بأسرها غارقة فيه، فإن الشوارع تزدان بشاخصات هائلة تحمل شعارات مفرطة في وطنيتها، وأخذت وسائل الإعلام تحفل بدائرة لا نهاية لها من المقالات المطرية، والعالم بأسره يحبس أنفاسه ليرى الملف الجديد الذي سيطرحه جيش التحرير الشعبي لإظهار قوة الصين العسكرية.

ووراء القصص الإخبارية المسرفة والمدائح المثيرة للاشمئزاز توجد همهمات مكبوتة استمرت قبل إسكاتها لمصلحة عدم إفساد الجو ''المنسجم''، ومع أن من الصعب ظهور أي استطلاع مستقل للآراء، فإنه لا يوجد أي طريقة لمعرفة فيما إذا كان الشعب الصيني مبتهجاً جداً فعلاً كما يبدو على التلفزيون إزاء الذكرى السنوية.

لكن نيران الشكوى تلتهب تحت السطح الهادئ، فالأخبار الأخيرة عن الضرائب الجبرية على العلاوات المتواضعة اليومية للنقل والاتصالات في خطوة يعتقد أن لها أثرا سد النقص في المبلغ المتضائل للعائدات المالية في الصين، قد قوبلت بشكاوى في الشوارع بأن إنفاق الحكومة السخي على بذخ اليوم الوطني يمول حتى آخر بنس على الحساب العام، وحدوث العصيان اليومي بشكل يومي في أغلب الأحيان، مثل هذا، يحارب بالكلمات وليس بقبضات الأيدي التي تكشف عدم جدوى كبح كل أشكال السخط.

ورغم كل نرفزاتها فإن السلطات تلقي بشكل مبرر غطاء أمنياً فوق بكين والأقاليم على حد سواء، والألم الذي سببته اضطرابات 5 تموز (يونيو) والتي قتلت نحو 200 شخص وخلفت مئات الجرحى والمشوهين، والتي تلتها موجة من الطعن بالحقن في منطقة تشنجيانج النائية، يثير أعصاب الصين ويضاف إلى محنها، الجلبة الدبلوماسية حول تصوير بضع حكومات في منطقة تايوان بفيلم وثائقي عن ريبيا كادير، زعيمة مؤتمر اليوغور العالمية التي تلومها بكين حول تدبير إراقة الدماء في تشنجيانج، وبينما تريد بكين أن تعتبر قادرة على التعامل مع السوءات بثقة وبراعة - على الأقل في الوقت الحالي، فإنها لا تستطيع أن تخفي عدم رضاها عن كونها تتعرض للطعن في وقت يفترض في التايوانيين الذي يعتبرون أيضا جزءاً من العائلة الصينية الكبيرة، أن يغنوا إلى جانب فرقتها التي تدربت على الغناء بدقة.

على الرغم من التوقعات بأن المناطق المضطربة، مثل كسنيانج، والتيبت ستستمر في توليد حالات أكثر مسببة للصداع، فإن هذه، في العادة، مخاوف ذات علاقة بالأجل القصير، حيث تعمل على وجود تقطعات في أجندات عمل المسؤولين الرسميين، بأكثر ما تكون بمثابة سيف ديموقليس المسلط على رقابهم بصورة دائمة. وسوف تتراجع أهمية مثل هذه الأمور حين تتحول الاتجاهات إلى قضايا أشد عمقاً، وأقرب إلى اهتمامات الزعماء الصينيين، حين تشمل تلك القضايا عدم العدالة في توزيع الثروات، وتعمق الخلافات الاجتماعية، والصراع الطبقي، وقضايا أخرى تتعلق بالحماس الثوري وما يؤدي إليه من مشاكل. وأما بدون الإصلاح الاقتصادي، فإنه لم يكن من المحتمل أن يحقق النمو الاقتصادي الصيني نجاحاً بهذه الدرجة.

لا يمكن في الواقع أن تكون هنالك أوقات أشد إبرازاً لنصفين من تاريخ الشعب الصيني، أولهما قبل ماو، والثاني بعده. وكانت هنالك أوصاف لأمور كثيرة في زمن ماوتسي تونج من بينها انتقال الجماعات إلى مناطق مختلفة، ونشوب الاضطرابات، والكوارث التي صنعها بنو البشر، والأمور المتعلقة بغياب المساواة. وأما في عهد دينج، فقد شهدت الصين أفضل الظروف من حيث تحقيق النمو الاقتصادي، وإدخال عدد كبير من الإصلاحات العامة، وزيادة النفوذ على الصعيد العالمي، وتوسيع نطاق التعدد والتنوع، وتركيز الأضواء على الاستقطاب، وتفكيك أنظمة القيم، إضافة إلى أمور كثيرة أخرى. وبدلاً من إغراء الاحتفال ب 60 عاماً كاملاً من عمر الصين الحديثة، فإن المرء يميل إلى الاختيار بين فترتين تاريخيتين مختلفتين.وأغلب الظن أن المرء سيختار الفترة التالية لحكم ماو.

قرأت قبل عامين مقالاً في أهم مجلة اقتصادية في الصين، دوشو، حيث يمكن وصفه بأنه من أشد الدفاعات عن التطورات التي شهدتها فترة حكم ماو، إذ إن كاتبه جان يانج، وهو من أبرز قادة اليسار الجديد في الصين، يلاحظ أن الميل لتوجيه اللوم إلى تلك الفترة هو أمر مضلل، كما أنه يعبر عن خطأ في مسار التفكير. وبالتالي فإنه كان أشد ميلاً إلى الكتابة عن الفترتين: ما قبل ماو، وما بعده، وذلك ليس مجرد انسجام مع الحكمة التقليدية التي تتطلب مثل هذا المنهج.

لقد أدى ميل ماو إلى حشد الجماهير إلى إحداث تبديد لموارد المجتمع الصيني، بقدر ما أفسده التشدد السوفييتي من أمور اقتصاد الاتحاد السوفييتي. غير أن ذلك لا يعني أن الاقتصاد الصيني المركزي كان مخططاً وفق القواعد السوفييتية. ويفسر ذلك لماذا لم تستطع دول شرق أوروبا التي مالت إلى تبني الأسلوب الصيني، إطلاق ديناميكية رأسمالية تنموية فعالة؟

وقد تم اختزال الإصلاحات التي شهدتها تلك الدول في ذلك الحين في صورة تحركات صناعية كانت بطيئة للغاية، وكانت أقرب بالفعل إلى العمليات المبسطة لإعادة الهيكلة.

كان ماو يركز على التخلص من المركزية في جوانب عديدة. ولو لا ذلك لكانت إصلاحات دينج قد اتخذت سبيلاً خاطئاً مشابهاً للاقتصادات المرحلية التي كانت سائدة في دول الكتلة السوفيتية. وقد دفعت تلك الاقتصادات ثمناً كبيراً خلال مراحل التحول، بينما دفع النظام الاقتصادي الصيني ثمناً أقل من ذلك بكثير.

وإذا كان ماو لم يقصد أن يزرع روح إنشاء المشاريع في أذهان المواطنين الصينيين، فإنه قام بذلك فعلاً حين كان يخاطب العمال، ويحثهم على إنتاج الصلب داخل الساحات الخلفية لمنازلهم. وأدت هذه الروح إلى إشعال حركة مصانع المدن والبلدات في سنوات لاحقة لتلك الفترة من التطور الصيني، الأمر الذي أسهم في إنعاش حركة المشاريع الخاصة على مستوى الصين.

وبالعودة إلى التركة التي خلفها ماو، يركز يانغ الأضواء على مسألة الاستمرارية، والتقطع بين 30 سنة مختلفة تمثل فترة ما قبل ماو، و30 أخرى لاحقة لذلك. وبينما يقدم مقاله مزيداً من التغذية الفكرية، فإن المرء يجب أن يحذر من مسألة الحنين إلى الماضي. وقد أدت بعض فترات حكم ماو إلى شيء من السحر في أوساط متعددة من المجتمع الصيني الذي كان يحلم بممارسة التعددية. وعلى الرغم من أن جرعة محسوبة من المساواة يمكن أن تساعد على تسهيل المسار الاقتصادي الصيني في أيامنا هذه، إلا إن كثيرا منها يمكن أن يهدد المكاسب التي تم التوصل إليها بصعوبة، ويعيدنا ثانية إلى الأزمان المعتمة القديمة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية