الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الحكمة الصينية في ذكراها الستين

نصر طه مصطفى
الأحد 4 أكتوبر 2009 4:18

احتفل الصينيون الخميس الماضي، بالذكرى الستين لانتصار ثورتهم وقيام جمهوريتهم الشيوعية على يد مؤسسها الزعيم الراحل (ماو تسي تونغ)، وإذا كانت الصين قد عانت كثيرا الاستبداد السياسي وسوء الأوضاع الاقتصادية في عهد مؤسسها الراحل الذي امتد لسبعة وعشرين عاما فإنها قد شهدت نقلة اقتصادية نوعية خلال ربع القرن الماضي جعلتها البلد الأكثر نموا في العالم خلال السنوات العشر الماضية على الأقل... وما بين عهد المؤسس وسنوات الازدهار كانت هناك فترة انتقالية صعبة شهدت قرارات مصيرية لكنها كانت صارمة وباليد الحديدية نفسها التي يمكن التعبير عن نتائجها بأنها كانت خلاصة للحكمة الصينية.

لقد كانت الثورة الصينية التي انتهت بالنصر عام 1949م مع كل مآخذنا عليها – ضرورة لإنقاذ شعب عريق من مهاوي الأفيون والتشرذم والانفلات، ولعل هذه الضرورة لم تتضح إلا بعد سنوات طويلة عندما بدأ العالم يدرك معنى حماية مليار نسمة من الانفلات والصراع السياسي والآثار الإيجابية لهذه الحماية في العالم كله وليس في هذا الشعب المتميز فقط... ورغم المثالية السياسية التي ظل قائدها الراحل (ماو تسي تونغ) يعمل بها ويحافظ عليها وبلغ ذروتها من خلال الثورة الثقافية التي قادها داخل الثورة في عام 1966م للحفاظ على القيم الشيوعية وترسيخ الوحدة الثقافية لشعب متعدد اللهجات والديانات فإن هذه المثالية السياسية ظلت ممتدة التأثير حتى في ظل الثورة الاقتصادية التي قادها الزعيم الراحل (دينغ شياو بينغ) في أوائل ثمانينيات القرن الماضي... ولذلك كانت هذه الروح – في تقديري – سببا في الحفاظ على قدر كبير من نظافة اليد لقادة الصين ورموزها ونزاهة سمعتهم السياسية وذمتهم المالية وهو أمر له تأثيره الإيجابي المباشر في الحفاظ على وحدة هذا البلد الكبير وتماسكه في مواجهة المتغيرات الاقتصادية التي طرأت عليه، فقد كانت هذه الروح بلا شك بديلا عن الشفافية السياسية والإعلامية وأسهمت كثيرا في التخفيف من حجم الفساد بكل أشكاله وآثاره!

إن عظمة الحكمة الصينية تبرز بالتأكيد عند مقارنتها بأمرين... الأول أن النهضة الاقتصادية الصينية بدأت قبل المتغيرات الاقتصادية التي حدثت في المنظومة الشيوعية السوفيتية والأوروبية بعشر سنوات تقريبا أي أنها لم تأت في سياق عملية (البيروسترويكا)، التي قادها (ميخائيل غورباتشوف) آخر زعماء الاتحاد السوفيتي... والأمر الآخر أنها لم تؤد إلى حدوث انهيار سياسي كما حدث في دول المنظومة الشيوعية باستثناء كوريا الشمالية وكوبا اللتين حافظتا على نمطهما الشيوعي السياسي والاقتصادي وهما نموذجان اقتصاديان بائسان على كل حال وليسا محل اقتداء بأي حال من الأحوال... وفي الإطار ذاته فإن الانهيارات الشيوعية التي حدثت في مثل هذه الأيام قبل عشرين عاما في جميع دول أوروبا الشرقية تنبهنا إلى أهمية الإرادة السياسية التي يمكن أن تمتلكها الشعوب عندما تجد الفرصة سانحة أمامها للتغيير إلى الأفضل، ويبدو أن طبيعة سكان أوروبا التي فرض عليها التقسيم إثر الحرب العالمية الثانية لا تتسق مع طبيعة الشعب الصيني، ففيما دفعت الأولى ثمنا غاليا من الناحية الاقتصادية والمعيشية مقابل تحررها من النظام الشيوعي فإن الثاني يعيش تطورا اقتصاديا سريعا وملحوظا وهو يدرك إلى حد كبير أن الحرية السياسية قد تجلب له الكوارث فلا هو سيحصل عليها ولا هو سيحافظ على تطوره الاقتصادي والمعيشي، فلا ذا تأتي ولا ذا حصل!

إن ما حدث في الصين قبل أكثر من ربع قرن هو معجزة بكل المقاييس وتجربة فريدة غير مسبوقة ولم تتكرر حتى الآن في أي منطقة أخرى من العالم رغم أن الجميع يراقبونها من كثب ويعتقدون أنها تجربة مميزة رغم محاولات الغرب بين الحين والآخر فتح ملفات حقوق الإنسان والحريات السياسية واستخدامها كورقة ضغط على الصين لفتح ولو قدر بسيط من الحريات الإعلامية، إلا أن الحكومات الصينية المتعاقبة تدرك جيدا أن مثل هذه الضغوط ليست أكثر من فخ ينصب لها في هذا التوقيت بالذات لأن أي عملية انفتاح سياسي أو إعلامي سيكون لها انعكاساتها السلبية بالتأكيد على الاستقرار السياسي في البلاد وسيؤدي بالتأكيد لتشجيع عديد من الأقليات على المطالبة بحقوقها السياسية وهو ما سيعني تفكك البلاد عاجلا أم آجلا... وفي ظني أنه أمر سيدفع العالم كله ثمنا غاليا له وليس الصين وحدها، إذ يصعب بالتأكيد السيطرة على أمزجة مليار وثلاثمائة مليون صيني ورغباتهم السياسية، ولذا تبدو كثير من دول العالم على قدر كبير من الارتياح للسياسات الصينية القائمة ولم يعد الحزب الشيوعي الصيني يسبب أي قلق أو انزعاج حتى للدول المحافظة التي ترفض الفكرة الشيوعية جملة وتفصيلا! وعلى قدر ما يستحقه مؤسس الجمهورية الشيوعية (ماو تسي تونغ) من تقدير على توحيد شعبه وتحويله إلى شعب جاد ومنتج فإن مجدد هذه الجمهورية (دينغ شياو بينغ) يستحق تقديرا أكثر من ذلك لعبقريته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في آن واحد، فليس من السهل أن تصنع نموذجا اقتصاديا مختلفا وترعاه شيئا فشيئا حتى يكبر ويستقر في نظام حديدي صارم مازال يعلن تمسكه بالنموذج الشيوعي ليس فقط من الجانب السياسي بل أيضا من الجانب الاقتصادي وفي الوقت ذاته يحقق نموا هو الأعلى في العالم كله حتى بعد الأزمة المالية العالمية، ويعتمد بشكل أساسي على عمالته المؤهلة القادرة وموارد العالم، وأصبحت مدنه تضاهي بل وتتفوق على أعرق عواصم الغرب حداثة وعمرانا... وفوق ذلك فإننا يمكن أن ننظر بجدية إلى تجربة الصين في تداول السلطة سلميا بين قادتها، فالرئيس الحالي (هو جنتاو) جاء بشكل سلمي و(ديمقراطي) في إطار الحزب الواحد خلفا للرئيس (جيانغ زيمين) الذي كان يتمتع بتأثير وكاريزما كبيرين، وأظن أن التجربة ذاتها ستتكرر مع الرئيس الحالي وهو ما يعني أن الحكمة الصينية تعمل سياسيا وليس اقتصاديا فقط.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية