كيف يمكننا تقييم الدور الذي أحدثه نظام الاستثمار الأجنبي في بنية اقتصادنا الوطني؟
هذا سؤال يفترض فيه أن يكون الشغل الشاغل لمراكز البحوث والدراسات الحكومية أو الخاصة، وعلى رأسها مراكز الدراسات والبحوث في جامعاتنا الموقرة والهيئة العامة للاستثمار ووزارة الاقتصاد والتخطيط.
غير أن تقييما علميا محليا لم يصدر على مدى السنوات القليلة الماضية رغم ما يثار من آراء في مقالات ومجادلات وندوات ومؤتمرات في طول البلاد وعرضها, فمعظم ما نسمعه مجرد حصاد انطباعات أو دراسات عينية تلجأ إلى استبيانات تختصر قطاعا من القطاعات التجارية, وعلى نحو يكاد يكون دعائيا أكثر منه علميا .. إنك لا تجد بحثا موسعا عميقا شاملا يتصدى لكل الأنشطة الاستثمارية في منشآتنا الصغيرة أو الكبيرة على مستوى الاقتصاد الكلي, وما استجد من شراكات أو استثمارات أجنبية بالكامل احتضنها الوطن.
إن إحدى مهام وزارة الاقتصاد والتخطيط, هي إجراء هذه الدراسات والمسوح البحثية، سواء من خلال مسؤوليتها عن القيام بدراسات تسبق إعداد خطط التنمية, أو من خلال إشرافها المباشر على المصلحة العامة للإحصاء والمعلومات، كما أن الهيئة العامة للاستثمار منوط بها هذا الدور الاستقصائي المسحي البحثي من منطلق مهامها أيضا كجهة معنية بالاستثمار وضرورة تعظيم نموه.. غير أن الجهتين لم تقدما على مدى السنوات الماضية ما يمكن الاسترشاد به في هذا الصدد لمعرفة ما إذا كان نشاطنا الاستثماري, وبالذات نظام الاستثمار الأجنبي, قد أحدث فاعلية وتطورا نوعيا في مخرجات اقتصادنا الوطني وطرائق أدائه وكفاءتها، أم أنه زاحم المستثمر المحلي وأصبح استثمارا طفيليا على ما كان في السابق ميزة لمصلحة المستثمر الوطني وامتص رحيقه الموعود؟
إن تحقيقنا الموقع 13 في مؤشر عالمي في البيئة الجاذبة للاستثمار، كما أعلنت عنه هيئة الاستثمار بناء على ما أصدرته مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي, يحتاج إلى برهان محلي وليس إلى شهادة عالمية وضعت في حسابها معايير تتعلق فقط بالتحسن المتحقق في الإجراءات اللازمة لبدء عمل تجاري, كالتراخيص, التوظيف, التمويل, نقل الملكية, والوقت اللازم لإنهاء الإجراءات, وما إلى ذلك, وليس بما يحدث في العمق والداخل الوطني اقتصاديا من حيث النمو النوعي, الجودة في الإنتاج, وكفاءة الأداء, وغير ذلك من ميزات تنافسية يحسب حسابها الفعلي في المكانة الاقتصادية الفعلية, وليس في الإدارة والإجراء المكتبي.
إن الوقوف أمام ما يصدر عن جهاتنا المعنية بالاستثمار وأداء اقتصادنا الوطني كمؤشرات ومعدلات منسوبة إلى مؤسسات دولية أو إقليمية, ينبغي أن يصادق عليه بناء على حساب بيدر الواقع وليس السجلات والنماذج الاقتصادية والاستبيانات والمدونات المحبرة بالأهداف والسياسات.. وإذا كان هذا مطلوبا في مجال الاستثمار, فهو مطلوب لتمحيص معدلات ونسب وأرقام أخرى, كالبطالة والفقر والتضخم والإسكان وما يتعلق بمستوى المعيشة، وما إلى ذلك من أرقام ونسب أثارت جدلا وتضاربا في تفاوت مقدارها بين الجهات الحكومية نفسها, فما بالنا بالشهادات والتقديرات التي تصدر عن مؤسسات إقليمية أو دولية.
إن عديدا من الجهات تصدر تقاريرها السنوية أو الدورية, فلما لا يبادر المجلس الاقتصادي الأعلى, كونه المظلة العليا لمؤسسات الدولة الاقتصادية والمسؤول عن رسم السياسات الاقتصادية الكلية الأساسية للدولة, إلى إصدار تقريره السنوي باعتباره الأقدر على القيام بمهمة التحقق من النتائج التي تصدر عن أدائنا الاستثماري وحراكنا الاقتصادي والتنموي بشكل عام نسبيا ومعدلات مقروءة في ضوء ما يعكسه الواقع الفعلي لأداء قطاعات التنمية الاقتصادية, وليس على ترجيحات مكتبية أو على ذمة مؤسسة دولية أو إقليمية قد تكون تجاملنا, أو أنها أهملت جوانب أساسية لحساب جوانب هامشية فقدمت ما لا يتطابق مع الواقع.. فهل في الإمكان أن يقول المجلس الاقتصادي الأعلى كلمته الفصل في هذا الشأن؟!
