الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 30 مايو 2026 | 13 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بوتن ودروس التاريخ

ألكسندر إتكِند
الخميس 1 أكتوبر 2009 0:18

كانت الأيديولوجية السوفياتية تدور دوماً حول المستقبل ولكن على النقيض من ذلك، تبدو الأيديولوجية الروسية الرسمية اليوم وكأنها تركز على الماضي بكل إخلاص.

إن المقال الأخير الذي نشرته صحيفة جازيتا فيبورتشا البولندية لرئيس الوزراء فلاديمير بوتن - الذي كتبه احتفالاً بالذكرى السنوية الستين لغزو ألمانيا النازية بولندا - يعبر عن تصميمه على تحويل التاريخ الأوروبي في القرن العشرين إلى جزء أساسي من اهتمامات الحكومة الروسية. ويعكس ذلك المقال المشكلات العميقة التي لم تُـحَل منذ عهد بوتن: العجز عن التمييز بين الماضي السوفياتي والحاضر الروسي؛ والمزج غير الأخلاقي بين المحافظة السياسية والتنقيحية التاريخية؛ واللامبالاة، والإصرار على مفاهيم مغلوطة فيما يتصل بالقيم الأساسية للديمقراطية.

في مقاله، لم يتحدث بوتن عن فجيعته في انهيار الاتحاد السوفياتي، رغم أنه أطلق على ذلك الحدث في وقت سابق ''الكارثة الأعظم في القرن العشرين''. بل لقد امتدح الحركات الديمقراطية التي دفنت الاتحاد السوفياتي ومجال نفوذه، ولم يبد أي تعاطف مع ثورات القرن العشرين، التي أطلق عليها وصف ''الجراح العميقة'' التي جلبتها البشرية على نفسها.

وما يثير انزعاج بوتن ومستشاريه التاريخيين حقاً هو الذاكرة التاريخية للحرب العالمية الثانية. فهم ينظرون إلى الانتصار السوفياتي على ألمانيا النازية باعتباره الإنجاز الأعظم الذي حققته الدولة التي ورثوها عن الاتحاد السوفياتي. وهم ينظرون إلى هذا النصر أيضاً باعتباره الثقل الموازن الرئيس لارتباط ذكرى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بعهد سادته الوحشية والعنف غير المبرر.

لا أقصد بهذا أن نسخة بوتن من التاريخ تنفي هذه الذكرى تماماً ففي هذا الصيف أصدر بوتن تعليماته لوزير التعليم علناً بأن يضع مقاطع من كتاب ألكسندر سولجينتسين ''أرخبيل الجولاج'' في مناهج المدارس الثانوية. إن ما يهم بوتن في المقام الأول هو إيجاد نوع من التوازن بين الحرب العالمية الثانية والتاريخ السوفياتي في عهد ستالين. وفي دعوته إلى نظرة ''سياقية'' و''سببية'' للتاريخ يقر بالإرهاب الستاليني، ولكنه يفسره باعتباره استجابة للاحتياج غير العادي لإلحاق الهزيمة بالنازية.

ويلخص بوتن فهمه حجم الحرب الجسيم بتذكيرنا بخسارة ''أرواح 27 مليون شخص من أبناء وطني''. لقد تزايد ذلك الرقم على مر السنين، مع توسع المسؤولين السوفيات في تعريف الوفيات في زمن الحرب, بحيث يعني إجمالي ''الخسائر في السكان''، وليس الخسائر المباشرة الناتجة عن أعمال عسكرية. وعلى هذا فقد ارتفعت التقديرات الرسمية للوفيات السوفياتية أثناء الحرب العالمية الثانية من سبعة ملايين (الرقم المعلن أثناء عهد ستالين)، إلى 20 مليوناً (في عهد خروشوف)، إلى 26.6 مليون (في عهد جورباتشوف)، حتى أصبحت الوفيات المدنية تشكل ما لا يقل عن ثلثي تقديرات بوتن.

ومن المؤسف أن بوتن لا يفسر لنا من يحتسبه من بين أبناء وطنه, فإذا كان يقصد هؤلاء الذين عاشوا ضمن حدود روسيا المعاصرة، فلا بد أن يصبح الرقم أقل كثيراً, ولكنه بدلاً من ذلك يضم إلى تقديراته كل مواطني الاتحاد السوفياتي الذين توفوا أثناء الحرب، بما في ذلك الملايين في أوكرانيا وبيلاروسيا وغيرها من الجمهوريات السوفياتية السابقة. وعندما ضم الاتحاد السوفياتي بلدان البلطيق وكالينينجراد وأجزاء من بولندا، فنلندا، مولدوفا، واليابان، أصبح مواطنو هذه البلدان أيضاً من مواطني الاتحاد السوفياتي.

فضلاً عن ذلك، ولأن تاريخ بوتن ''السياقي'' يعزو المعاناة في الحقبة السوفياتية إلى خوض الحرب الوطنية العظمى، فإن تقديراته تخلط بين أولئك الذين ماتوا في المعركة وهم يقاتلون من أجل الاتحاد السوفياتي هؤلاء الذين قتلهم السوفيات من خلال المجازر الجماعية، والترحيل، والعمل القسري. وبهذا المنطق فقد يكون بوسع المرء أيضاً أن يعيد تصنيف ضحايا الإرهاب والمجاعة في الثلاثينيات من أجل زيادة عدد ضحايا هتلر في الاتحاد السوفياتي.

ويربط بوتن بين اثنين من الأحداث التي أشعلت الحرب العالمية الثانية، اتفاقية ميونيخ عام 1938 ومعاهدة مولوتوف ـ ريبنتروب عام 1939، في بنية سببية واحدة. وطبقاً لبوتن، فإن كلاً من هذين الحدثين المنطويين على تواطؤ مع ألمانيا النازية كان يشكل خطأ غير أخلاقي، ولكن الحدث الأخير كان مجرد استجابة للحدث الأول. لا شك أن نيفيل تشامبرلين البريطاني وإدوارد دالاديه الفرنسي وقعا معاهدة مخزية مع هتلر وموسوليني في ميونيخ، ولكن سرعان ما خسر تشامبرلين ودالاديه الدعم الشعبي بمجرد انتهاك هتلر المعاهدة، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية كان كل منهما قد ترك منصبه, لكن الطغاة من أمثال مولوتوف وستالين ظلوا متشبثين بالسلطة.

فضلاً عن ذلك، وفي حين أن اتفاقية ميونيخ باركت تقطيع هتلر أوصال تشيكوسلوفاكيا، فإنها كانت وثيقة عامة تعني كل حرف ورد فيها, ولكن الجزء المهم حقاً من معاهدة مولوتوف – ريبنتروب كان بروتوكولاتها السرية، التي قسمت أوروبا إلى نطاقين إمبراطوريين ـ ستالين وهتلر ـ دون رضا الدول التي تم تخصيصها للإمبراطوريتين أو حتى علمها. أما مولوتوف الذي ظل في السلطة طوال الحرب العالمية الثانية حتى عام 1956، فقد أنكر وجود البروتوكولات السرية حتى وفاته بعد 30 عاماً. إن الأنظمة الديمقراطية قد ترتكب أخطاء مخزية، ولكنها تبادر في النهاية إلى تصحيحها أو على الأقل الاعتذار عنها، والإطاحة بهؤلاء الذين ارتكبوا تلك الأخطاء وأوقعوا بلدانهم في المتاعب.

من الخطأ، بل ومن غير الأخلاقي، أن نساوي بين الممارسات الديمقراطية والدكتاتورية، ولكن يبدو أن هذا هو جوهر المعادلة الروسية الجديدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية