الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

السنوات الثلاث بعد الانقلاب في تايلاند

ثيتينان بونجسو يراك
الخميس 1 أكتوبر 2009 0:17

يمكننا القول لدى حديثنا عن فترة زمنية سابقة إن أحدث انقلاب عسكري في تايلاند الذي شهده شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2006، كان بمثابة بداية لوقوع هذا البلد في خضم سلسلة من التوترات الممتدة لفترات طويلة، وكذلك مصادر القلق، والاضطرابات، بينما تقترب فترة لمعان وحيوية ملك البلاد الطاعن في السن، بهاميبول أدوليادج، من نهايتها. وإن بقاء تايلاند أسيرة لحالة من التوتر والاضطراب بعد مرور ثلاث سنوات على ذلك الانقلاب العسكري، يفيد بأن جنرالات الجيش لم ينجحوا في تحقيق أهدافهم. وهنالك الكثير من الاتهامات المتعلقة بانتشار الفساد، ويضاف إلى كل ذلك الكثير من حالات تضارب المصالح، بينما يزداد نفوذ الجهات البيروقراطية في تصريف شؤون البلاد. وازدادت حالة الشلل التي تحكم المجتمع إلى درجة تزيد على ما كان سائداً أيام الانقلاب. وتزايدت حالات تحدي النظام الملكي، كما أن الديمقراطية تضيق بإغلاق المزيد من مواقع التعبير على شبكة الإنترنت. ولم يتمكن جنرالات الجيش من تبرير أسباب قيامهم بذلك الانقلاب العسكري، بل إن الأمور ازدادت سوءا منذ ذلك الحين، حيث إن المشكلات السياسية شهدت المزيد من التعقيد خلال السنوات الثلاث الماضية.

يمكن إعادة أسباب الانقلاب إلى فترة حكم ثاكسين شيناواترا التي امتدت في الفترة من 2001 إلى 2006. والحقيقة هي أن هذا الرجل استطاع من خلال منصات انطلاقة الشعبوية المتعددة هز أركان النظام السياسي في البلاد، وإحداث تصدعات عميقة في أساساته. وعمل كل من نظام ذلك الرجل، وكذلك نظام جنرالات الجيش الذين حلوا محله، على زيادة حدة المشاكل الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بفجوة النمو الواسعة للغاية بين إقليم العاصمة من جهة، وأقاليم البلاد الأخرى من جهة ثانية. وكان ثاكسين يعمل على وتر كثير من تلك الاختلافات أثناء فترة حكمه للبلاد من خلال محاولة إظهار تأييده لدور الجماهير في عدد من المناطق الريفية. بعد أن انقلب الجيش على ثاكسين، فإن جنرالاته، والموالين لهم، لم يكونوا راغبين في استيعاب بعض تلك التوجهات ذات الميل للتركيز على الجوانب الاقتصادية، أو تلك التغيرات الاجتماعية الاقتصادية التي لاحت في الأفق، وتبين أن لها جذوراً شعبية أثناء حكم ثاكسين. ولم يهدف الجنرالات فقط إلى إنهاء حكمه، بل كذلك إلى القضاء على أي علامات ذات علاقة بوجود دور للجماهير ككل في تحريك الأمور، وبالذات على صعيد سكان المناطق الريفية في البلاد. وقد تبين أن للجماعات الريفية دوراً يمكن أن يتزايد على صعيد الدور الانتخابي لو استمرت قوة الدفع الخاص بها التي ظهرت أيام حكم ثاكسين. وتبين أن سكان الريف يمكن ألا يقبلوا في المستقبل السلطة المطلقة لجنرالات الجيش، وأولئك الذين يسيرون على دربهم في تايلاند. وقد برزت بعد ذلك حركة المقاومة المعروفة ''بالجبهة الموحدة للديمقراطية في مواجهة الدكتاتورية''.

إن أكبر خطأ وقع فيه قادة الانقلاب العسكري هو أنهم حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي إلى الفترات الخاصة بثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل وصول ثاكسين إلى سدّة الحكم. وقد تبيّن أن لهذه الغلطة الكبرى آثارها الواضحة، وذلك في صورة المحاولات المتكررة لتكوين جبهات للمعارضة السياسية في طول البلاد وعرضها. ولم يتمكن رئيس الوزراء الجديد من خلال نشر عدد من الشعارات التي تدعو إلى محبة البلاد، ومن خلال تكرار الأناشيد الوطنية في برامج التلفزيون المحلية، من إيقاف نشاط هذه الحركات الوطنية المعارضة الجديدة التي تتبنى، بصورة متزايدة، دعوات التغيير. ولم تتحرك جماعات على نطاق واسع في تايلاند لمعارضة الانقلاب العسكري على ثاكسين، وذلك بسبب حالات الفساد الكثيرة، ومخالفة القوانين التي سادت السنوات الست التي حكم خلالها هذا الرجل، تايلاند. وساد البلاد جو من المراقبة والانتظار، باستثناء عدد قليل من مظاهرات الاحتجاج التي سارت في شوارع العاصمة بانكوك، مباشرة بعد الانقلاب العسكري. ولجأ الجنرالات بعد ذلك إلى تعيين حكومة مؤقتة لتسيير شؤون البلاد. ولجأوا كذلك إلى اعتبار ما قاموا به بديلاً للأوضاع القائمة، وشكلوا تحالفاً من أتباعهم تكون له اليد العليا في التحكم بأمور البلاد، وأجروا تعديلات رئيسة على دستور البلاد لتمكينهم من القيام بذلك في عام 2007. وأرادوا بالفعل القضاء على أية بوادر لقيام حركة ديمقراطية حقيقية على المستوى الشعبي. ولم يشدد زعماء الانقلاب من خلال وسائل الإعلام على الأسباب الحقيقية التي أدت بالجيش إلى التخلص من نظام حكم تاكسين. لقد أصبح الجيش هو كل شيء في ظل الأوضاع الجديدة، حيث تم إدخال زيادات موسعة على ميزانية القوات المسلحة. وقد عمل النظام الجديد على إنهاء الكثير من الإصلاحات الأمنية التي كانت قد ظهرت إلى حيّز الوجود في أواخر تسعينيات القرن الماضي، كما أنه قضى على إصلاح نظام المشتريات، وكذلك المبادرات التي حاولت تطبيق مبدأ الشفافية، وكذلك أنهى الجيش بوادر التحسينات التي طرأت على أنظمة تعيين الموظفين الرسميين. وحصلت المؤسسات الخاصة بالجيش التي تعود إلى أيام الحرب الباردة، مثل قيادة عمليات الأمن المحلي، على جرعة جديدة من إطالة الحياة بعد الانقلاب العسكري. يركز الجنرالات كذلك على جعل الكلمة العليا لذوي الرتب العسكرية في تحديد العلاقة بين الجانبين العسكري والمدني للمجتمع في تايلاند. والحقيقة هي أن الجنرالات الذين عادوا إلى الحكم، جاءوا هذه المرة وفي ذهنهم التربع على عرش السلطة لفترة ما. وهم يُصرِّون على أن لديهم دوراً إيجابياً مفاده أنهم هم الحرس الأمين على مستقبل البلاد في الأجل المنظور. وعلى الرغم من أن الجنرالات كانوا يدركون حجم التحديات التي تواجهها البلاد، إلا أنهم أصروا على القيام بالانقلاب العسكري، وتحدثوا عن مبررات دفعتهم إلى ذلك، على الرغم من كل ما يقال عن نكسات يمكن أن تصيب الديمقراطية. واستطاع الجنرالات كذلك التعلم من خلال الممارسة. وقد اقتنعوا، نتيجة لما شهدوه من أحداث بعد الانقلاب، أنه لا ينبغي لهم التحرك للاستيلاء على السلطة بصورة مباشرة. ولعل هذا الاستنتاج هو أفضل الأمور الإيجابية الناجمة عن هذا الانقلاب العسكري. وتبيّن أن من الصعب إيجاد حكومة مؤقتة قادرة على تسيير شؤون الاقتصاد بصورة سليمة. ورأى العسكريون كذلك أن صدقية البلاد، على النطاق الخارجي، يمكن أن تتلاشى. كما أن الجنرالات يمكن أن يفقدوا هيبتهم، محلياً وخارجياً.

لقد وجد الجنرالات أن في استطاعتهم اللجوء إلى خيار آخر يتمثل في التحالف مع بعض البرلمانيين، وكبار البيروقراطيين لضمان حكومة يمكنها أن تسيّر أمور البلاد إلى حد ما. وأظهر الجنرالات أن بإمكانهم في عام 2008 دعم حكومة برلمانية، حيث ضمت حكومة رئيس الوزراء الذي اختاروه أعضاء منتخبين، دون أن تكون حكومة منتخبة من الناحية الفعلية. وتبيّن أن الوضع أقرب ما يكون إلى تفكير الحكم العسكري في تايلاند الذي تم تفصيله وتعديله لكي يتلاءم عالم العولمة. ويمكن ألا يكون هذا الوضع ملائماً تماماً للجنرالات، ولكنه يعمل ضمن خطوط ضغوط معينة في الداخل والخارج. وإن الأمر الحقيقي الجديد في عقلية أصحاب الانقلابات العسكرية في تايلاند ليس هو التفكير على أساس موحد على نطاق البلاد، وإنما تشكيل تحالفات جديدة ليست في إطار أسس التحالفات السياسية التقليدية التي تعرفها البلاد جيداً. وكان الجنرالات في الماضي القريب يلجأون إلى أفراد من طبقتهم الاجتماعية، ومن الذين رافقوهم في مراحلهم الدراسية، ليجعلوا منهم حلفاء يساعدونهم في إدارة البلاد. وكان للتسلسل العسكري لقادة الفرق، والكتائب، دور مهم في تحديد مراتب الحكم في الفترة سيئة السمعة لحكم الجنرالات في عام 1991 - 1992. وكانت فرق معينة من الجيش هي مصدر الجنرالات الحاكمين في ذلك الوقت، بينما سيطرت فرقة أخرى على عملية توليد جنرالات الحكم في ثمانينيات القرن الماضي، حيث جاء معظم زعماء الانقلابات من الأقاليم الشرقية. تعرف هذه الفئة قليلة العدد من أصحاب الحظ في الوصول الحكم من خلال الرتب العسكرية الرفيعة ''بجنود النمور الملكية''، أو ''بالنمور الشرقية''. وقد تم توثيق نهوض هذه الطبقة العسكرية، ووصول جنرالاتها إلى سدّة الحكم في كثير من وسائل الإعلام في البلاد. وهنالك الكثير مما كتب حول اللجوء إلى الانقلابات العسكرية من خلال المناداة بحماية المصالح الوطنية، أو انطلاقاً من عقائد دينية. وجاء بعضها بحجة الدفاع عن النظام الملكي في البلاد. ويتحرك جنرالات الجيش على وجه السرعة إذا رأوا أن خلافة الحكم في النظام الملكي تتعرض لأي تهديد حقيقي. وبقيام نمور الشرق بهذا الدور، فإنهم يضمنون استمرار الرقابة، ووجود الدور المهيمن لهم في عالم تايلاند الخاص بما بعد النظام الملكي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية