في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين الأخير، أكد المجتمعون استمرار قلقهم بشأن مدى تعافي الاقتصاد العالمي من حالة الكساد التي اجتاحت العالم جراء أزمة المال العالمية، وأوصوا بإبقاء الحوافز المالية والنقدية، كلما كان ذلك ضرورياً، من أجل ضمان انتعاش مستدام في الاقتصاد العالمي. ولا شك أن المؤشرات الاقتصادية تظهر أن الاقتصاد العالمي – خاصة في أمريكا وأوروبا- ما زال يكافح ليسترد عافيته. ففي الولايات المتحدة أخذ معدل البطالة يقترب من 10 في المائة، وقد حذر رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال البريطانية قبل أيام من مخاطر خفض الإنفاق العام، وقال إنه سيؤدي إلى كساد مضاعف، وقد يدفع أرقام البطالة إلى أكثر من أربعة ملايين عاطل. وما زالت أسعار المستهلك تشهد انخفاضا في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، كما أن عوائد السندات قصيرة الأجل تتراجع إلى مستويات متدنية قياسية.
وفي خضم هذا الاهتمام بتبني سياسات الإنفاق الحكومي الضخمة لمواجهة الكساد، يخشى بعض المراقبين من اندلاع موجة تضخم تترتب على برامج الإنفاق الضخمة بعد مرحلة الكساد. وفي الوقت الذي تركز فيه السلطات النقدية على تدابير التعامل مع الكساد، بدأ القلق ينتاب بعض المستثمرين بشأن التضخم المتوقع حدوثه بسبب تباطؤ تحسن الأسعار وارتفاع مستويات السيولة التي تضخها البنوك المركزية في النظام لمعالجة الكساد.
وترى صحيفة ''الفاينانشيال تايمز'' اللندنية أن المفارقة، أن هذا التصميم بحد ذاته لمعالجة الانكماش، والذي يعني احتمال أن تبقى معدلات الفائدة متدنية لفترة أطول، هو الذي يقود المستثمرين إلى الخوف من أن يعود التضخم في نهاية المطاف بقوة شديدة. فيما يرى بعض المصرفيين في بريطانيا أن البنوك المركزية سكبت كثيرا من البنزين على النار، من خلال سياسة النقود السهلة، وهذه لها محاذيرها التي يمكن أن تجعل الأمور تخرج عن السيطرة وتنتهي إلى موجة تضخمية. ولذا غدوا يتساءلون بصورة متزايدة عن السرعة، والقوة التي سيعود بها التضخم. ويدللون بحركة السوق في الفترة الأخيرة التي شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع، والذهب، والأسهم، والسندات طويلة الأجل. فقد ارتفعت معظم البورصات في العالم بنسبة 40 في المائة على الأقل عن مستوياتها المتدنية في آذار (مارس)، بينما ارتفعت البورصات في كثير من الأسواق الناشئة بأعلى من تلك النسبة. فقد أظهر مؤشر ''فاينانشيال تايمز'' لجميع الأسواق الناشئة في العالم ارتفاعا بنحو 60 في المائة منذ البداية. والمختصون يرون أن الفترة التي تنخفض فيها أسعار المستهلك، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الأصول، تكون بيئة غير اعتيادية تجعل من الصعب على المستثمرين بناء قراراتهم على أي من الحالتين.
وقد سبق أن حذر بعض كتاب ''الاقتصادية'' من موجة التضخم التي يمكن أن تلحق باقتصادنا، بعد فترة الكساد الحالية. فمن ناحية سيعمل تراجع قيمة الدولار المتوقعة على خفض سعر صرف الريال أيضا. وانخفاض قيمة الريال سيزيد من احتمال ارتفاع الأسعار محليا. فكوننا اقتصادا يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية مختلف حاجاته، سيجعلنا عرضة لاستيراد التضخم المتوقع حدوثه في الاقتصادات الكبرى بعد انحسار موجة الكساد العالمي.
ومن الحكمة إذا أن تكون لنا نظرة متقدمة نستشف من خلالها ما سيقع مستقبلا، ونبدأ من الآن في وضع تصورات تتعلق بكيفية مواجهة هذا الخطر المحتمل. وقد سبق لخبراء صندوق النقد الدولي أن اقترحوا على الدول العربية في الخليج أن تعيد النظر في مسألة ارتباط عملاتها المحلية بالدولار وربطها ربما بسلة عملات. وفي كل الأحوال من المهم دراسة السياسات المناسبة لحماية الدخول الحقيقية للمواطنين.
