تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الثلاثاء 1430-10-10 هـ. الموافق 29 سبتمبر 2009 العدد 5832  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 172 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


ملتقى الطاقة العربي والفكر العربي النفطي (1 من 2)



د. أنس بن فيصل الحجي

عقد في الأسبوع الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت الاجتماع الثالث لملتقى الطاقة العربي والذي حضره عدد غفير من خبراء الطاقة العرب من شتى أنحاء العالم. وتأتي أهمية هذه الاجتماع بأنه جاء مباشرة بعد موافقة الحكومة اللبنانية على إنشاء الملتقى وجعل بيروت مقرا له.

وللملتقى ستة أهداف هي:

أ‌) تعميق الحوار والتواصل بين المختصين والمهتمين بشؤون الطاقة في البلاد العربية.

ب‌) مناقشة أوضاع قطاع الطاقة في البلدان العربية، خصوصا النفط والغاز، وسبل تطوير مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ج) مناقشة أوضاع ومستجدات وعلاقات الطاقة العالمية بما في ذلك الطاقات المتجددة وآثارها في المنطقة العربية.

د) تعميق الوعي بقضايا الطاقة وتقاطعها مع البيئة والتنمية في البلدان العربية.

هـ) تبادل المعلومات والتحليلات والاتصالات مع المراكز والمنتديات واللقاءات ذات العلاقة.

و) تشجيع إنشاء مراكز أبحاث مختصة بشؤون الطاقة في الجامعات والمعاهد العليا في البلدان العربية على أن تطبق البنود المذكورة أعلاه وفقا للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء وبعد موافقة الجهات الرسمية المختصة.

أهمية الخلفية الفكرية

وبهذه المناسبة أود إعادة طرح فكرة ''الفكر النفطي العربي''، وإعادة ما نشر سابقا حول الموضوع لقناعتي بأن أعضاء الملتقى أكثر الناس أهلية للتعامل مع طروحات هذا الفكر. فمما لا شك فيه أن أعضاء الملتقى سيركزون على قطاعات الطاقة كافة سواء في جانب الإنتاج أو الاستهلاك، من النواحي الاقتصادية والمالية والسياسية والاستراتيجية والبيئية، ولكن أدلي بدلوي هنا كي أبرز أهمية الجانب الفكري لهذه الأمور، خاصة أن نقاط الخلاف أصلا ونهاية بين الدول المختلفة والهيئات المتعددة هي نقاط ''فكرية''. إن نظرة سريعة للأهداف الستة المذكورة أعلاه توضح أنه لا بد أن ترتكز هذه الأهداف على فكر ما. مثلا، إذا تم تبني نظام السوق كفكر، فإن للأهداف المذكورة معنى يختلف تماما عن معناها في ظل نظام آخر. وفي ظل أي فكر، لا بد من ظهور نظريات متعددة تمثل المدارس الفكرية التي يرتكز عليها هذا الفكر.

إن النفط هو المصدر الأساس للدخل في أغلب الدول العربية. كما يلعب النفط دوراً كبيراً في حياة العرب اليومية سواء أرادوا ذلك أم لا, خاصة أن السياسات العالمية وكثيرا من الأحداث العظمى التي حلت في وطننا العربي خلال العقود الأخيرة ارتبطت بالنفط. بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك ليقول إن اتفاقية سايكس بيكو ورسم الحدود بين الدول العربية حكمته حدود حقول النفط أكثر من أي أمر آخر. المشكلة تكمن في أن الغربيين والشرقيين يتعاملون مع العرب على أنهم ملاك النفط, فيرسمون سياساتهم تجاه العالم العربي بناء على النفط, الأمر الذي نتج عنه تراث فكري نفطي ضخم في مجال السياسة والاقتصاد والقانون, بينما لا يتوافر الأمر نفسه عند العرب. ومن المؤسف أن نجد أن الجماهير العربية تأكل وتشرب وتلبس من وراء النفط, ولكنها لا تعرف عنه إلا النذر اليسير. وأشدد هنا على تعبير ''الجماهير العربية'' لأنه حتى الدول العربية غير النفطية تستفيد من النفط إما عن طريق الإعانات الحكومية المباشرة أو عن تشغيل الألوف من الناس من الدول غير النفطية في الدول النفطية. إن هناك حاجة ماسة لتكوين وتطوير ''فكر عربي نفطي'' هدفه التعامل مع الفكر الغربي وتصحيح مفاهيمه الخاطئة, وتربية الأجيال العربية على مفاهيم عامة تتعلق بالموقف العربي من أمور النفط العالمية. إن عدم مناقشة مواضيع فكرية تتعلق بالنفط العربي في المؤتمرات العربية يعكس خللاً خطيراً عانى منه العالم العربي على مدى الخمسين سنة الماضية، يتمثل في ندرة المختصين والمنظرين في هذا المجال, رغم اعتماد دخل الوطن العربي بشكل شبه كامل على النفط! وهنا لا بد من التنويه أن كلمة ''عربي'' هنا لا علاقة لها بالمفهوم السياسي القومي, وإنما هو مفهوم جغرافي تحكمه العوامل الجغرافية أكثر من أي شيء آخر, خاصة أن الغرب يربط النفط بـ ''العرب'' أكثر من ''المسلمين''.

الغرب و''أكدمة'' العداء

لقد استطاع الغرب خلال الـ 30 سنة الماضية تكوين وتأصيل وتأطير فكر نفطي معاد للعرب، يتمثل في الكم الهائل من المقالات والكتب والمواقف السياسية والسياسات الاقتصادية واستراتيجيات الطاقة, إضافة إلى قدرته على خلق تعابير وجمل وكلمات التصقت بهذا الفكر وأصبحت جزءاً منه. فقد استطاع هذا الفكر تأصيل كلمة ''كارتل'' ولصقها بـ ''أوبك'' ظلماً وعدواناً, كما استطاع إدخال تعبير ''أمن الطاقة'' كتعبير سياسي شائع رغم أنه لم يستطع أحد حتى الآن تحديد معناه, إلا أن أحد إسقاطاته ''تخفيف الاعتماد على النفط العربي''. كما استطاع هذا الفكر ربط كلمة ''عرب'' بـ ''النفط'', وربط كلمة ''عرب'' بـ ''عدم الاستقرار''. واستطاع هذا الفكر ربط كلمة ''عرب'' بالاستغلال'' بعد أن أقنع مئات الملايين من البشر بأن تكاليف إنتاج النفط في الدول العربية منخفضة جداً ولا تتجاوز بضع سنتات أمريكية, ومع ذلك يقوم العرب ببيع النفط بعشرات أضعاف ذلك السعر! واستطاع الغرب أكدمة (أو منهجة) هذه الفكرة عن طريق إلغاء نظرية ''تكلفة الاستعمال'' من كتب الاقتصاد الجزئي واستخدام ''التكلفة الحدية'' بدلاً منها. واستطاع هذا الفكر في السنوات الأخيرة في ربط كلمة ''النفط'' بـ ''الارهاب'', بعد أن نجح على فترة طويلة من الزمن في ربط كلمة ''عرب'' بـ ''الإرهاب''.

واستطاع الفكر الغربي, وبدعم مالي من شركات النفط العالمية, من تغيير التاريخ العربي النفطي، حيث صور العرب في أوائل القرن الماضي بأنهم جهلة وقتلة لا هم لهم إلا البحث عن الماء والكلأ والنساء, بينما صور الرحالة الغربيين ومكتشفي النفط بأنهم عباقرة ومفكرون تمتعوا بالإنسانية والعصامية وحب الاستكشاف. هل تعد هذه الفكرة مهمة بالنسبة للفكر العربي النفطي؟ نعم بالتأكيد, لأن الفكر الغربي يحاول من خلال إعادة كتابة التاريخ بهذا الشكل أن يوضح أنه رغم وجود هذا النفط في العالم العربي، إلا أنه نفط غربي تم اكتشافه وتطويره على يد الغربيين, لذلك فهو نفط أنجلو - ساكسوني يمكن استخدام جيوش الدول الأنجلو - ساكسونية لحمايته! لقد سمعت بأذني عددا من الأمريكيين يقولون إن النفط في الخليج هو نفط أمريكي بسبب قيام أمريكيين باكتشافه وتطويره! إن الفكر الغربي يتجاهل تماماً دور العمال العرب في حفر كل الآبار التي تم فيها اكتشاف النفط لأول مرة في الخليج. كما يتجاهل الرحالة والتجار الخليجيين الذين كانت تصل سفنهم إلى الصين واليابان قبل اكتشاف الأوروبيين للنفط في الخليج بمئات السنين, السفن التي كانت تطلى بـ ''القار'' لمنع الماء من التسرب إلى هذه السفن الخشبية, والقار نوع من النفط الثقيل الذي كان يخرج إلى سطح الأرض أو يتم استخراجه عن طريق حفر آبار سطحية. لقد عرف العرب النفط وتركيبه الكيميائي منذ عدة قرون وسموه بـ ''النفط'', بينما لم يعرفه الأوروبيون إلا في وقت متأخر, وحتى عندما عرفوه سموه بـ ''الزيت'', لتشابهه مع الزيوت النباتية! لقد عرف النفط منذ زمن سحيق, ولكن العرب المسلمين كانوا أول من وضع الإطار القانوني لاستعماله واستخراجه, قبل أن يفعل ذلك الغربيون بنحو ألف سنة! نعم, ألف سنة!

ونجح الغرب في أكدمة ومنهجة بعض هذه الكتابات حتى اكتسبت الصفة الأكاديمية والعلمية, رغم أنها كتابات تفتقر إلى أصول البحث العلمي. لقد استطاع الغرب أكدمة العداء للعالم العربي من خلال هذه الكتابات، لدرجة أن رسائل الدكتوراة التي يكتبها الطلاب العرب في الجامعات الغربية أصبحت ''من فمك أدينك''! أما مؤتمرات النفط الخليجية التي عقدت في الأعوام الماضية في كل من دبي، والدوحة، ومسقط والمنامة, فقد أصبحت مجالاً للتندر لأنها تعقد في عقر دار الدول النفطية وتتبنى آراء وكالة الطاقة الدولية والدول الغربية وأغلب متحدثيها من مؤصلي الفكر الغربي المعادي للعرب! لذلك فإن عملية تكوين فكر عربي نفطي ستكون صعبة الحمل, صعبة المخاض, صعبة الولادة, وصعبة النشأة, خاصة أنه من الصعب تكوين هذا الفكر بشكل مستقل بحيث لا يكون كردة فعل للفكر الغربي. ولكن لا بد من تكوين هذا الفكر مهما كانت الصعوبات، لأنه لا يمكن على الإطلاق إجراء حوار بين المثقفين العرب والمثقفين الغربيين دون التعرض لموضوع النفط: فالعرب يملكون أغلب احتياطيات النفط في العالم, ووفقاً للغرب فإن أموال النفط هي التي تفرخ الإرهاب, وهي التي تمول المساجد في أماكن مختلفة من العالم. كما يعتقد الغربيون أن العرب سببوا كارثة اقتصادية للعالم الغربي في السبعينيات بسبب المقاطعة النفطية العربية للولايات المتحدة وهولندا. ولا يمكن عزل النفط عن الصراع العربي – الإسرائيلي، لأن أموال النفط هي التي تمول الانتفاضة والحركات الفلسطينية بطريقة أو بأخرى.

لهذا فإننا في حاجة ماسة إلى فكر عربي نفطي يتميز بالإنسانية والموضوعية والعدالة والعالمية بعيداً كل البُعد عن ردة الفعل والعواطف والعنصرية والانتهازية. إن أخطر أمر يواجه تكوين هذا الفكر هو أن يتكون كردة فعل للفكر الغربي, حيث عليه أن يتكون ذاتياً بناء على تراثنا العربي الإسلامي بمفاهيمه الإنسانية العالمية. (يتبع في الحلقة المقبلة)

عدد القراءات: 1509
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



11 تعليق

  1. منصور (1) 2009-09-29 06:05:00

    جميل يا دكتور

  2. ابن القطيف (2) 2009-09-29 09:23:00

    ننتظر بشوق الحلقة المقبلة
    تحياتي لك ايها الدكتور المبدع
    ابن القطيف

  3. ريانة العود (3) 2009-09-29 11:58:00

    اكثر من رائع يادكتور انس
    كم نحن بحاجةلمثل هذه المواضيع لاعادة الثقةفي انفسنا اولا ثم تاريخنا والذي نبذه بعض ابناء جلدتنا

  4. بن خالد (4) 2009-09-29 12:11:00

    ماشاء الله
    ماشاء الله
    ماشاء الله
    بإنتظار ابداعك

  5. من الشرقية (مسجل) (5) 2009-09-29 16:45:00

    برغم اني "من الشرقية" وآبار النفط تحيط بمنطقتي من اربع الجهات, اضافة الى اني خريج جامعة الملك فهد "للبترول" والمعادن, الا اني اعترف بضحالة ثقافتي وقلة معرفتي بما يدور في عالم النفط ,,, لقد شعرت بالامية وأنا أقرأ المقال, أقصى ما قد نعرفه هو سعر البرميل وكمية النفط المنتجة يوميا, والتي لا تخلو من مغالطات,,,,, واذا ماستثنينا تخصص هندسة البترول في الجامعة, لم يتم ادراج مقرر واحد فقط للثقافة او الفكر النفطي ضمن دراستنا في مجالات الهندسة الاخرى.
    احسنت يا دكتور أنس وفي انتظار تتمة هذا المقال القيم.

  6. ابوخالد بدران (6) 2009-09-29 18:58:00

    على الرغم من اهمية الملتقى فلم نسمع عنه شيئا في وسائل الاعلام ولم نعرف المشاركين ولم يمهد له التمهيد المناسب واخشى ان يكون شكليا وصوريا كغيره من المحافل االاقليمية كما يخشى ان يكون رسميا فلايقدم او يؤخر ، وعلى كل حال اذا ادركنا اهمية تفعيل دور الفكر النفطي وتعزيز الثقافة النفطية والاعلام النفطي وسخرنا خلاصة علوم الاجتماع والنفس والاعلام والتربية لفائدة الجمهور العربي وإطلاعه على فكر نفطي عربي متميز نكون قد تقدمنا خطوة مهمة نحو الامام على طريق طويل تمس الحاجة اليه ايما مسيس

  7. Hussein Amery (7) 2009-09-29 22:32:00

    (الموقع لايقبل الردود بغير اللغة العربية مع الشكر )

  8. نوار (8) 2009-09-30 01:55:00

    أؤيد رأي أستاذنا العزيز د. أنس وأرى وجوب أن ينبري الباحثون والخبراء العرب إلى إجلاء حقائق دامغة حول واقع النفط والطاقة في البلاد العربية وتسليط الضوء على تلك الهوّة الكائنة بين رؤيتي الغرب والعرب لدور النفط في حركة الاقتصاد العالمي. وأخصص ندائي لأولئك المؤهلين للكتابة بلغة إنجليزية واضحة ومباشرة. لا بدّ من محاولة الوصول إلى منابر الإعلام ووسائطه في الدول الغربية من أجل التواصل البنّاء وإيجاد أرضية مشتركة لاستثمار المعرفة بالطرق الأنجع.

  9. Hussein Amery (9) 2009-09-30 10:18:00

    شكرا للدكتور أنس على هذا المقال القوي والمفيد. وللأسف فإن أفكارنا ورؤيتنا للأحداث متأثرة كثيراً بالكلمات والتعابير المضللة التي يستخدمها الغرب لدرجة أننا نستخدمها في حياتنا اليومية دون أن نتتبه أنها معادية لنا.
    إن على شعوبنا العربية أن تعرف الحقائق، مثل تلك التي ذكرها الكاتب، كي تكسب مناعة كافية ولانتأثر بانطباعات الغرب الخاطئة عن تاريخينا وديننا وتنميتنا الاقتصادية.

  10. Hussein Amery (10) 2009-09-30 10:19:00

    ....تابع لما قبله....
    إن أقوى سلاح في هذه الحالة هو التعليم وأسرع قطار لمستقبل مشرق هو تحليل واقعي للحقائق كالذي قدمه الكاتب في المقال أعلاه.
    البرفيسور حسين عميري

  11. eamanyyat (11) 2009-09-30 12:03:00

    خلاصة الأمر الوعي فالتفاعل ثم التطبيق
    العمل المتضافر على شكل نسيج العنكبوت لتوسيع الدائرة
    أحييك وأحيي فكرك الوقاد .


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

د. أنس بن فيصل الحجي

د. أنس بن فيصل الحجي

اكاديمي و خبير في شؤون النفط

a@aalhajji.com


اشترك في خدمة RSS : RSS

بحث:د. أنس بن فيصل الحجي

بحث في المقالات:

الاقتصادية اون لاين

الأكثر تفاعلاً

  • قراءة
  • تعليقاً
  • ارسالاً