الثلاثاء, 29 سبتمبر 2026|16 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لم تمرّ جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بأيّ طور جنيني، فقد ولدت كبيرة، لأن الحلم الذي أنجبها ودام زهاء 25 عاما كان كفيلا بأن يمتص كل أطوارها الجنينية، وأن يُعالج كل العثرات المحتملة والإعاقات البيروقراطية وغير البيروقراطية، لتولد في النهاية بكامل نموها كفكرة عبقرية مؤهلة لقيادة الوطن في مضمار العلم والمعرفة بضمير إنساني يتجاوز حدود الأقاليم إلى اتساع العالم الإنساني .. وكقناة رائدة لضخ المعرفة الحديثة المسخرة لخدمة الإنسان أينما كان.

وفي حفل الولادة الذي تزامن مع يومنا الوطني المجيد وشهدته زعامات عربية وإسلامية وعالمية وقيادات أكاديمية وعلماء (نوبليون) اتضحت معالم صورة الحلم الذي هبط خلال ألف يوم فقط على أرض الواقع ليأخذ بلدة (ثول) الوادعة على ضفاف البحر الأحمر، وفي حنجرة محافظة جدة إلى كل أصقاع الأرض، كأفصح لسان معرفي يشهده العالم الحديث، ويؤسس لمرحلة من مراحل البناء الطموح الذي ما عاد حكرا على العالم الأول، حينما قاده طموح قائد فذ ليلوي به الأعناق إلى هذا المكان من العالم .. الذي تفجرت فيه ينابيع الجامعات خلال أقل من أربع سنوات لتتجاوز الثلاثين جامعة، في أضخم عملية تنمية معرفية يقودها زعيم واحد في وطن واحد وفي مكان واحد .. ثم ليتوّجها في (بيت الحكمة الجديد) الذي أراد عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ أن يستردّ به مجد الأمة الإسلامية في ريادتها المعرفية منذ ابن النفيس وابن حيان وابن الهيثم والخوارزمي وغيرهم.

لقد ولدت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية كبيرة، وبحجم الحلم نفسه الذي استوى على سوقه الآن، بعد أن رفض البدايات الصغيرة، ليعانق مطامح الأمة في بنية أكاديمية متميزة استقطبت منذ اليوم الأول أهمّ وأكفأ القيادات الأكاديمية من العلماء والباحثين على مستوى العالم، لأن صاحب هذا الحلم الكبير يعرف قيمة الوقت في حسابات العصر الجديد، ويُدرك ثمن المعرفة في قيادة الشعوب وفي تحضيرها للزمن الذي بات يعمل بأجزاء الثانية، ويؤمن بأن حالة الاسترخاء والاستسلام لغوغاء النزاعات التي لا تنتهي، وتفاقم المشكلات التي تواجهها الأمة .. كانت أول ما كانت بسبب الضعف المعرفي الذي جعلها تعيش على هامش اهتمام العالم لولا ثرواتها المادية، فكان أن جاء قرار هبوط هذا الحلم الفريد إلى أرض الواقع في اللحظة الحاسمة، ليقول للعالم: إننا هنا كأمة سلام وأمة علم تفتح كل الآفاق للانتصار للمعرفة الإنسانية أمام كل شعوب الأرض، تماما مثلما كان أسلافنا الذين أسهموا بقوة في بناء الحضارة الإنسانية وأكثر.

لذلك وحينما توافرت الإرادة كانت ألف يوم فقط كافية لتغيير البوصلة في أعين الطامحين من الشباب من مختلف دول العالم للتفكير في المفاضلة ما بين كامبردج وكاوست وهارفارد كمحاضن أكاديمية لأهمّ علوم العصر الحديث وأبحاثها، كانت كافية لأن تزاحم هذه الجامعة الجديدة أهم وأعرق الجامعات العالمية, لأنها تخطت بكل تفاصيلها عقبات الولادة والتأسيس لتذهب مباشرة إلى صيغتها مكتملة النمو كما كانت في ضمير رائدها .. ليس هذا فحسب، وإنما بات في حكم المؤكد أنها ستأخذ على عاتقها كسر حاجز الجمود في التعليم الجامعي الذي سيجد في حرمها الجامعي المدجج بأفضل الكفاءات والخبرات العالمية مختبرا لقياس مستوى الجودة النوعية، ما يفتح الباب أمام كل جامعات الوطن للدخول إلى مرحلة جديدة .. يكون البحث فيها وظيفة من أهمّ وظائفها .. تماما مثلما فعلت جامعة برلين في أوائل القرن التاسع عشر حينما تحولت لتكون خزانا للتفكير بعد أن جعلت الأبحاث وظيفتها الأساسية.

من هنا كان ليومنا الوطني الـ 79 بصمته الخاصة، وهو يضعنا في مقاربة جديدة بين فعل التوحيد الذي قاده الزعيم العظيم ـ المغفور له بإذن الله ـ الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ وهذا الإنجاز المدهش الذي صنعه نجله ليعيد من خلاله تموضع وطنه على خريطة العالم ليس فقط كخزان للنفط، وإنما ليكون خزانا للتفكير والبحث العلمي الجاد.

منتدى الاقتصادية 2026