قمة العشرين التي ستعقد في بتسبورج ستكون أمام محك حقيقي لمناقشة واتخاذ توصيات على أرض الواقع حول عدد من القضايا التي من أبرزها البيئة والطاقة والأزمة المالية والقضايا السياسية الأخرى وانعكاساتها على السلام العالمي.
فتوصيات القمة يجب ألا تتجه فقط نحو إصدار العناوين الفضفاضة حول القضايا السابقة بل يجب أن يتم وضع آليات على أرض الواقع في تنفيذ هذه التوصيات، خاصة أن هنالك توصيات كثيرة صدرت عن قمم سباقة لم تجد حظها في التنفيذ، وقد ثبت أن نسبة نجاح تنفيذ هذه التوصيات على أرض الواقع قليلة للغاية ومن هنا يجب التركيز على الآليات في تنفيذ هذه التوصيات التي يتم اتخذاها في القمة.
وعلى قادة قمة العشرين أن يدركوا حقيقة أن القضايا المطروحة هي قضايا مسؤولية مشتركة ويجب ألا يتم تناولها من طرف واحد على حساب الأطراف الأخرى، بمعنى إذا تحدثنا عن قضية الطاقة فالمسؤولية هنا استقرار التجارة النفطية. نحن بحاجة إلى تغيير الخطاب الإعلامي الاقتصادي بشكل عام من المبادرة الفردية إلى المبادرة الجماعية. على القمة أن تهتم أكثر بالإنسان وتنمية قدراته من خلال تبادل الخبرات والمنافع وإفساح المجال لانتقال التكنولوجيا بين دول العالم وعدم احتكارها للشركات. أضف إلى ذلك فالعالم الآن يحتاج إلى إعادة هيكلة النظام المالي العالمي لما يحقق الاستقرار الاقتصادي وابتكار آلية عمل تنظيمية دولية جديدة من خلالها يتم تحديد المسار الصحيح للقطاع المالي العالمي حتى يكون عونا لخدمة الاقتصاد الحقيقي. كما ينبغي أن تقر القمة بمنح مزيد من المساعدات خصوصا في تمويل التجارة للدول النامية لكي يكون بمقدورها مكافحة الآثار السيئة للأزمة المالية. ونأمل أن تكون آسيا في مقدمة المناطق التي تتخلص من الأزمة المالية العالمية. كما يجب أن يعطى الاهتمام بالبيئة حيزا كبيرا في مناقشات القمة باعتبار أن إنتاجية الفرد وقدرته الإبداعية تتطلب توافر بيئة صالحة، والإسلام في عقيدته اهتم بالبيئة والنظافة التي تعد أحد مرتكزات الإيمان وغاية البيئة تحقيق النظافة، الاقتصاد العالمي الآن بحاجة إلى وضع أرضية صلبة يقوم عليها نموذج جديد من التعاون الاقتصادي العالمي، من خلال دعم المنظمات الدولية القوية والشرعية، وإقرار خريطة طريق للإصلاحات الاقتصادية التي من شأنها تحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي. على قمة العشرين أن تتبنى خطة إنعاش اقتصادي من خلال إصلاح جذري للنظام المصرفي العالمي. بزيادة القروض للاقتصادات الصاعدة التي تضررت من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
قمة العشرين موقعها الاقتصادي العالمي أكبر بكثير من مجموعة السبع الصناعية التي كان يتم فيها صياغة السياسات الاقتصادية وتهم دول العالم كافة، والتي على أساسها تسير قطارة اقتصاد العالم .وظلت مجموعة السبع تشكل الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2007 م. والآن تأتي قمة العشرين التي تعد بمثابة الورشة الأكبر بفضل اهتمامها بالسياسات الاقتصادية بشكل أكبر وأعمق من مجموعة السبع. العالم الآن يدرك تماما أن كل ما يتم صياغته حول الاقتصاد العالمي يأتي على أثر الأزمات المالية وعلى أثر تأكد فشل السياسات الاقتصادية والنهج الاقتصادي الذي كانت تسير عليه مجموعة السبع التي لم تحظ أبدا بمشاركة شرق أوسطية أو المنطقة العربية أو الإسلامية وظلت دول هذه المنطقة تتلقى السياسات الاقتصادية العالمية دون أن يكون لها دور في صياغة هذه السياسات.
ولعل من الضروري هنا أن نشير إلى مشاركة المملكة في قمة العشرين كعضو في القمة حيث تعد فرصة لمنطقة الشرق الأوسط والخليج لطرح الأفكار الاقتصادية التي تهم المنطقة أمام قمة العشرين. ولعل اختيار المملكة كعضو في قمة العشرين يرجع لحكمة المملكة ودورها في النزاع العربي - الإسرائيلي وغيرها من القضايا العربية الأخرى إلى جانب وضعها الاقتصادي القوي لما تملكه من صناعات متطورة في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات ومصارف مالية متطورة. وهذه العوامل جعلت للمملكة احتراما وتقديرا كبيرين في العالم، هذا الأمر أعتبره إيجابيا للغاية لتحقيق غايات وتطلعات دول المنطقة التي ترى في المملكة خير ممثلا لمصالحها الاقتصادية في قمة العشرين ويخدم أيضا مصالح الدول الاقتصادية الأخرى من الدول النامية في مختلف بقاع العالم، وبالتالي مصالح الاقتصاد العالمي ككل.
هذا البعد والعمق للمملكة سيكون وجه الاقتصاد العالمي، فمشاركة المملكة في قمة العشرين سيكون لها الأثر الإيجابي في اقتصاديات دول منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج باعتبارها جزءاً من منظومة الاقتصاد العالمي، خاصة أن ما يجري على الاقتصاد العالمي يجري أيضا على الاقتصاد الخليجي.
من المعروف أن اختيار المملكة بين دول منطقة الشرق الأوسط لم يكن اختيارا عشوائيا أو دون أساس مشروع، فالمملكة لها حكمتها وثقلها السياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط والخليج والمنطقة العربية والإسلامية. كما أن المملكة تمتلك قدرة فائقة لعرض المواقف والقضايا العربية والإسلامية سواء كانت مواضيع سياسية أو اقتصادية، حيث تعتمد على العرض الموضوعي والمتوازن واللذين من خلالهما يحقق الاستقرار والأمن في المنطقة، كما أن المملكة تمتلك إمكانيات ومقدرات كبيرة في المجال الاقتصادي ونجاح المملكة في توظيف هذا المقدرات والإمكانيات في صناع اقتصادي قوي ومتطور من خلال إقامة مشاريع تنموية وصناعية مشهود لها في جميع دول العالم، خاصة في منطقة الخليج. وكان طبيعي أن تكون المملكة عضوا مؤثرا وحاضرا في قمة العشرين نتيجة هذه المقومات السابقة المتمثلة في حكمتها في مطالبة الحقوق العربية والإسلامية وموقفها من القضايا التي تخص المنطقة وكيفية عرضها أمام دول العالم، والمقدرات التي تتمتع بها المملكة وكيفية توظيف هذه المقدرات لخدمة اقتصادها واقتصاد المنطقة إلى جانب مكانتها في الوجدان العربي والإسلامي.
فوجود المملكة بين الدول الاقتصادية الكبرى في قمة العشرين سيجبر دول العالم الأخرى على احترام استقرار منطقة الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية. وستعمل دول العالم التي تتمتع باقتصاديات قوية على الاستفادة من المقومات الاقتصادية التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط.
