الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

العقل يمر بأوقات صعبة في أمريكا!

كريس باتن
السبت 19 سبتمبر 2009 3:54

كان جروتشو ماركس (ممثل هزلي أمريكي قديم) الماركسي المفضل لدي دوماً. وتمتد إحدى نكاته إلى صميم فشل الأيديولوجية - العقيدة الجامدة الجازمة - التي ابتلي بها عالمنا المسكين على يد سميه كارل ماركس.

ذات يوم سأل جروتشو جمهوره قائلاً: ''من ستصدقون، أنا أم عيونكم؟''. بالنسبة لمئات الملايين من المواطنين في البلدان التي كانت رازحة تحت الحكم الشيوعي في القرن الـ 20، فإن السائل هنا لابد أنه كان حاكماً مستبداً يتمتع بسلطات دكتاتورية استبدادية شاملة. فلم يكن من المهم ما الذي يستطيع أي مواطن أن يراه بأم عينيه. بل كان على أي مواطن أن يتقبل ما يُـقال له عن طبيعة العالم. وكانت الحقيقة هي كل كلام صادر عن الحزب الحاكم، أياً كان.

في الصين، رفع هوا جو فينج خليفة ماو تسي تونج المعين هذا الأسلوب إلى مصاف الفنون. وكان مشهوراً بتنفيذ إرادته ''تحت أي ظرف من الظروف''. وفي عهد ماو كان على الحزب والشعب أن ينفذا تعليمات ماو أياً كانت.

لقد فرض جروتشو على الشيوعيين من هذا الصنف مشكلتين لا حل لهما. الأولى، أن عينيك وعقلك وكل حواسك سوف تخبرك قبل مرور وقت طويل أن الحلم الشيوعي - اضمحلال الدولة والانتصار على الاحتياج - لن يتحقق أبداً. كانت الشيوعية، شأنها في ذلك كشأن خط الأفق، أبعد من المنال دوماً. ولسوف يكون من المشوق أن نعرف كم عدد الذين يؤمنون أن الدولة الصينية في طريقها إلى الزوال، أو قد تزول أبداً، من بين المنتمين إلى المدرسة المركزية للحزب في بكين ـ المعهد التعليمي الرئيس التابع للحزب.

أما التطبيق الثاني للسؤال الذي طرحه جروتشو فكان أن مواطني أغلب البلدان الشيوعية سرعان ما أدركوا أن الازدهار الاقتصادي أو ارتفاع جودة الحياة، وما إلى ذلك، لن يعوضهم عن خسارتهم لحريتهم. وكلما اطلع المواطنون في روسيا وبولندا والتشيك وغيرها على المزيد من أساليب الحياة في الأنظمة الديمقراطية الغربية، تعاظمت شكوكهم في أساليب حياتهم. في كتابه الوقور ''صعود وسقوط الشيوعية'' يلفت أرشي براون انتباهنا إلى سفريات ميخائيل جورباتشوف إلى الخارج، والتي فتحت عينيه على فشل النظام الذي عاش تحت ظله طيلة حياته.

إذن فقد تغلب العقل في الساحة السياسية على الإيمان بالأهداف غير القابلة للتحقيق وخداع الذات بشأن العواقب المترتبة على ملاحقة هذه الأهداف. إن البلدان التي تحكمها أحزاب شمولية، مثل الصين وفيتنام، تظل قائمة وباقية، ولكن ليس بسبب التزامها بالشيوعية. إن شرعية هذه البلدان تعتمد على قدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي من خلال رأسمالية الدولة.

لا شك أن الأنظمة الديمقراطية تسمح للناس باستخدام عقولهم والاختيار على أساس ما يرونه بأعينهم. حين لا تعجبك حكومة ما فربما يكون بوسعك أن تتخلص من الأوغاد دون أن تضطر إلى الإطاحة بالنظام بالكامل. والتغيير قد يتأتى على نحو تطوري وليس من خلال الثورة بالضرورة. ولكن لا ينبغي لأحد أن يتصور أن الحوار في ظل الأنظمة الديمقراطية يستند دوماً إلى المنطق والعقل، أو أن الديمقراطية تجعل الناس أكثر عقلانية بالضرورة.

ولكن في بعض الأحيان قد يسود العقل. ويبدو أن هذا هو ما حدث في الانتخابات الهندية الأخيرة. وفي الولايات المتحدة كان انتخاب الرئيس باراك أوباما بمثابة لحظة تعقل عظمى. ولكن يبدو أن العقلانية لم تتمكن من فرض نفسها على المناقشة الحالية الدائرة في الولايات المتحدة بشأن الرعاية الصحية.

إن الغرباء، بل حتى المعجبين، كثيراً ما يتساءلون كيف تسنى للدولة الأكثر توافقاً مع العولمة على مستوى العالم - أو القارة المأهولة بشعوب من كل أصقاع الأرض - أن تكون بهذا القدر من الانعزالية المناوئة لكل عقل فيما يتصل ببعض القضايا؟ إننا نهرش رؤوسنا في حيرة حين نناقش مسألة قوانين السلاح في أمريكا. ولقد أصابنا الذهول أثناء ولاية الرئيس السابق جورج دبليو بوش الأولى إزاء العداء السافر الذي أبدته الإدارة الأمريكية في التعامل مع العلم، وهو ما انعكس في موقفها بشأن تغير المناخ ونظرية النشوء والتطور لصاحبها تشارلز داروين. والواقع أن معارضة إصلاح الرعاية الصحية لا تقل إدهاشاً وإذهالاً.

نحن نعلم أن نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة رديء إلى حد بشع، على الرغم من ثرائها الواسع ـ وأبحاثها الرائدة في مجال الطب. إن الرعاية الصحية في أمريكا باهظة التكاليف. وهذه التكاليف تؤدي إلى إرباك وعرقلة خطط التأمين الصحي. وبهذا لا تتوافر الحماية للفقراء، ويظل العديد من المرضى بلا علاج. والواقع أن الإحصائيات الصحية في الولايات المتحدة أسوأ كثيراً من نظيراتها في البلدان المماثلة.

غير أن المحاولات التي يبذلها أوباما لإصلاح الرعاية الصحية استقبِلَت بمعارضة هستيرية. حتى أن البعض يشيعون أن مقترحاته قد تؤدي إلى قتل المسنين على يد الدولة، وأن هذه المقترحات ستجلب الشيوعية السوفياتية إلى الولايات المتحدة ـ كما هي الحال ظاهرياً في كندا وبريطانيا، حيث ترعى الدولة أنظمة الرعاية الصحية. أهي الشيوعية في تورنتو ولندن إذن؟ أم أن الأمر أفضل وأكثر بساطة: نظام رعاية صحية أرخص وأكثر جدارة بالثقة بالنسبة للجميع؟

يبدو أن العقل يمر بأوقات عصيبة في الولايات المتحدة الآن. وربما لم يكمن من قبيل المصادفة أن جروتشو ماركس كان مواطناً أمريكياً. ولكن لا شك أن الطريقة التي يرعى بها أي مجتمع المرضى والمحتاجين والمسنين أمر جدير بالأهمية ويستحق التفكير الجاد والحجج المنطقية القائمة على ما نستطيع حقاً أن نراه أمام أعيننا وليس على أهواء وجهالة التحيز الحزبي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية