شهدت السنة الحالية فيضا عارما وكثيفا من المطبوعات التي حفلت بعرض مثير عن مآسي وتداعيات الأزمة المالية الحالية. حيث لا تزال طبقة سوداء داكنة تحجب الرؤية الحقيقية عن الحاضر والمستقبل معا. ومما يجدر ذكره أن قصة أو فضيحة مادوف Madoff الشهيرة وأمثاله من أساطين الصناديق الاستثمارية كانت مصدر إلهام لعدد كبير من الكتب التي صدرت في هذا الشأن المهم.
ومن الملاحظ أيضا أن عددا من هذه المطبوعات صدرت على هيئة روايات أو حكايات أو مدونات انتظمت في سجل حافل بالمشاهد والأحداث المستمدة من واقع الأزمة ومنسوبة إلى عناصر مسؤولة احتلت مراكز قيادية ذات صلة مباشرة بالأحداث التي قادت إلى الأزمة. كما يلاحظ أن الأسلوب الذي صيغت به هذه المدونات يغلب عليه الطابع الدرامي على نحو جعلها أكثر تشويقا وجاذبية لاستمالة القارئ. وقد أضفى هذا النمط من الكتابة والحوار لونا جديدا في كتابة الأدبيات المالية والاقتصادية على نحو مخالف لما هو مألوف عنها من جفاف في عباراتها بحكم كثرة المصطلحات المتعارف عليها في علم المال والاقتصاد.
وهذا اللون في تدوين الأحداث والوقائع المالية والاقتصادية يرجع في الأساس إلى النمط التحليلي الذي تقوده المدرسة الفكرية لجامعة شيكاغو التي تحاول تفسير جميع التصرفات والسلوك البشري من خلال منظور اقتصادي. حيث ركزت هذه المطبوعات على إبراز وإيضاح جوانب من السلوك الفردي والجماعي والدوافع الكامنة خلف التصرفات والقرارات التي قادت إلى انفجار الأزمة المالية الحالية، وهل كانت محكومة بمصالح ذاتية، وما إذا كانت عقلانية أم مشوبة بجانب من الاندفاع المحموم في التسابق والتنافس نحو تقديم مبتكرات ومشتقات ومنتجات متعددة الصيغ والألوان، والاستمرار على هذا النهج في ارتكاب المزيد من المخاطر غير المحسوبة بما في ذلك التحايل لمنع انكشاف الأخطاء عن طريق إجراء عمليات بيع وشراء متتالية تكون ستارا واقيا عن الخوض في تفاصيل ونتائج العمليات السابقة.من خلال رصد جيد ودقيق لمراحل وتطور التصرفات المالية ومشتقاتها المتعددة والمتباينة خلال العقدين المنصرمين توصلت معظم الدراسات إلى أن السلوك الذي قاد إلى الأزمة كان من نسيج البيئة التي سادت خلال مراحل انتعاش أسواق الأسهم في النصف الأخير من العقد الماضي والنمو السريع في أقيام العقارات والمساكن خلال الأعوام 2003 - 2007 والسيولة الفائضة التي وفرتها البنوك المركزية خلال الأعوام 2001 - 2003. هذه الوقائع مجتمعة أفرزت أنماطا جديدة من السلوك ناشئة عن شعور بالثراء نتيجة ارتفاع أقيام العقارات والمحافظ الاستثمارية وما نشأ عن الشعور بالثراء من آثار تمثلت في زيادة الإنفاق الاستهلاكي وإشباع الرغبة في اقتناء المزيد من الأثاث والسيارات والأجهزة الإلكترونية والإكثار على نحو غير معهود من رحلات الاستجمام وارتياد مرافق التسلية والمطاعم والنوادي الرياضية وغيرها.
هذا النمط الاستهلاكي الناشئ عن الشعور بالثراء كان أكثر وضوحا وشمولا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اندفع مالكو هذه الأصول إلى الاستدانة مقابل رهن تلك الأصول ومن ثم توريق هذه الرهون من قبل البنوك المقرضة وتداولها على نطاق واسع وشامل، مع أن هذه البنوك تدرك جيدا أن توريق هذه الرهون وتداولها يحمل مخاطر عالية جدا، حيث تم تحويل ديون طويلة الأجل نسبيا إلى سندات قصيرة الأجل قابلة للتداول في الأسواق المالية العالمية. ونتيجة لذلك لم يكن من المفاجئ أن ينتهي الأمر إلى إغراق الأسواق المالية بكميات كبيرة من الأوراق المالية الرديئة مما أسفر عن الجمع بين فقاعتين في آن واحد: فقاعة العقارات وفقاعة الائتمان اللتين انفجرتا الواحدة تلو الأخرى في منتصف عام 2007. ومع أن هذه الظاهرة كان موطنها الأصلي الولايات المتحدة الأمريكية فإن آثارها امتدت لتشمل بلدان ودول فوائض المدخرات (اليابان والصين وألمانيا) التي قادتها الأقدار لتغرق في وحل فقاعة العقارات، مع أن الصين واليابان والألمان لم تستثمر دولاراتها في أسواق الرهن العقاري مباشرة وإنما في أدوات ائتمان أخرى.
وقد بلغت الأزمة أوجها مع إعلان إفلاس أحد أكبر البنوك الاستثمارية في الولايات المتحدة (ليمان براذرز) في منتصف أيلول (سبتمبر) من عام 2008 وما نشأ في أعقاب ذلك من انهيار الأصول المالية وشعور أصحاب الممتلكات (الطبقة المتوسطة والأثرياء معا) بانخفاض حاد في ثرواتهم وما قاد إليه من انحسار كبير في نفقاتهم. ومع تزايد درجة الانحدار وتسارع وتيرتها وعجز الشركات والمؤسسات البنكية عن بيع منتجاتها ومن ثم تسريح أعداد غفيرة من موظفيها - كل ذلك قاد إلى خفض الإنفاق والاستهلاك وإشاعة جو من التشاؤم والخوف من الانزلاق نحو كساد مستحكم مما أصاب المجتمعات الدولية قاطبة بذهول شديد وصدمة عنيفة لا تزال آثارها ماثلة للعيان.
ومع كل الألم الحارق والمرارة القاسية التي تجرعها الملايين من البشر الذين فقدوا وظائفهم ومصدر دخلهم وقوتهم اليومي وأصحاب المدخرات المحدودة الذين وضعوا ثقتهم في النظام المالي ومؤسساته وقياداته ثم مالبثوا أن وجدوا مدخراتهم تذهب فريسة المغامرات الطائشة لفرسان المبتكرات والمشتقات القاتلة. في أعقاب تلك المآسي المهلكة التي امتدت لعامين متتاليين تلوح في الأفق حاليا بوادر انفراج عن بداية النهاية لهذه الأزمة، وتشهد الساحة الدولية في الوقت الراهن موجة تفاؤل مشوبة بحذر شديد تبشر بانتعاش وشيك. لا جدال في أن سنة الكون تقتضى تعاقب الليل والنهار وأن العتمة المظلمة وإن طال أمدها لابد أن تنجلي. من غير المستغرب إطلاقا أن يشهد الاقتصاد العالمي بوادر انتعاش وانفراج وذلك بفضل برامج الإنقاذ السخية التي قدمتها حكومات العالم وبنوكها المركزية التي تمثلت في مخصصات مالية كبيرة للإنفاق على مشاريع لبناء الطرق والجسور والمدارس وتوليد الطاقة وما شابهها من برامج البنية الأساسية. إلى جانب الالتزام بتنفيذ سياسة نقدية نشطة جدا تمثلت في التسهيل الكمي Quantitative easing على نحو غير عادى من قبل البنوك المركزية ''وبالأخص بنك الاحتياطي الفيدرالي'' التي التزمت بمستويات منخفضة جدا لأسعار الفائدة.وما من جدل أيضا في أن المبادرات السخية والسياسات النقدية الحصيفة والشجاعة التي ألمحنا إليها آنفا يعود إليها الفضل في وقف المزيد من النزيف والحد من تفاقم الأزمة وبداية مراحل السيطرة عليها. ومع كل ذلك لا يزال كثير من المطلعين وذوي الاختصاص يحذرون من الإفراط في التفاؤل ويؤكدون أن المؤشرات الإيجابية القليلة التي يشهدها الاقتصاد العالمي حاليا ليست إلا ردود فعل سريعة لتلك المبادرات السخية والقرارات الجرئية. إذ إن انتعاش أسواق الأسهم في البورصات العالمية وارتفاع أسعار بعض السلع الأولية لا تعد دليلا كافيا على سلامة وتعافي الاقتصاد العالمي فلا يزال الاستهلاك متدنيا جدا وعدد العاطلين عن العمل كبيرا ويتزايد شهرا بعد آخر وإن كان بمعدلات أقل. كما أن الأفراد الذين تثقلهم الديون والملايين الذي فقدوا وظائفهم ليسوا في وضع يؤهلهم للمساهمة في زيادة الطلب. إن ضعف التوظيف وهبوط أقيام العقارات والمساكن ووجود فائض كبير في طاقة التصنيع والخدمات تعد عوامل سلبية. كما يجادل آخرون بأن استعادة الثقة والتوازن وبعث الاطمئنان ستمتد لعدة سنوات وأن أهم مؤشر للانتعاش الحقيقي يتمثل في استئناف التوظيف في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي على مستوى العالم بأسره.
مرة أخرى كثيرون هم أولئك الذين فوجئوا بالأزمة المالية وعمقها وآثارها المدمرة - وقلة قليلة أبدت مخاوفها من وقوع الأزمة وحذرت من الإفراط في الرهون العقارية ومشتقاتها والحث على وجوب اتخاذ المزيد من التنظيم وأحكام الرقابة والمتابعة. ولكن هذه الأصوات لم تلق آذانا صاغية، حيث كانت هناك قناعة وثقة لدى كبار المسؤولين عن السياسات النقدية وخاصة في الولايات المتحدة بأن الأسواق والنظام المالي العالمي يملكان القدرة على تصحيح الأخطاء والتصدي بكفاءة عالية للحماية من المخاطر. ومن المعلوم أن القيادات المسؤولة عن السياسة النقدية في الولايات المتحدة على مدى العقدين المنصرمين تنتسب إلى مدرسة الفكر الليبرالي التحرري الملتزم بمبدأ تقليص دور السلطات التنظيمية والرقابية عند الحدود الدنيا. هذا الموقف المبدئي المتحمس لتحرير الأسواق وإطلاقها ساعد على نشوء وانتشار وتداول المنتجات والمبتكرات المالية على نطاق تجاوز حدود السيطرة وقاد إلى مرحلة الإفراط والتفريط.في ضوء هذه العوامل مجتمعه فإنه لا ينبغي الاندفاع نحو ركوب موجة التفاؤل والمشاركة في احتفالات العودة إلى سياسة استئناف المسيرة من جديد وكأن شيئا لم يكن Business as usual بل ينبغي إجراء مراجعة ومحاكمة لجميع التصرفات والأخطاء التي قادت إلى هذه الأزمة وما يقتضيه الحال من وجوب تفادي الانجرار والانجراف والوقوع مرة أخرى في شرك أزمات مماثلة. يتعين على المجتمع الدولي ممثلا في قادة مجموعة العشرين في اجتماعهم المرتقب في بتسبرج قبل نهاية الشهر الحالي أن يتساءلوا وأن يلحوا في السؤال: ماذا حدث؟ ولماذا حدث ما حدث؟ ومـــــــــاذا ينبغي لتـــــــــفادي تكرار ما حدث؟ أين ذهــــــــــبت، وكيف أخفقت قواعد بازل الدولية؟ هل الســــــــخاء الحكومي والتسهيل الكمي للنقود هو الحل المستدام؟ ما مقدار الثمن؟ ومن يتحمله؟ أسئلة كثيرة ملحة وضرورية تنتظر إجابات واضحة ومحددة تكفل ضمان استئناف المسيرة من جديد بوعي وبصيرة نافذة.
