منذ انهيار بنك ليمان براذرز قبل سنة، فإن الفكرة أن مركز القوة العالمية يتحول شرقاً أخذت تزداد رواجاً، وكان في صميم هذه القصة صعود الصين، وهي نتيجة لعقود من نموها الاقتصادي المثير وإحساس بأن الجمهورية الشعبية قد اجتازت الأزمة الحالية أفضل من معظم الدول الأخرى.
لكن خلال الأسابيع الأخيرة، تحسن المزاج من الاقتصادات المتقدمة، وتشير آخر الأرقام إلى أن أيام الركود قد تكون في زوال ، وأوحى تيم جثنر أن الوقت قد يكون مناسباً للبدء في بعض الحوافز المالية من قبل الحكومات للمشاريع الخاصة، وارتفعت أسواق الأسهم، وهو مؤشر على تحسن المشاعر، أو ربما تكون فقاعة أصول أخرى، وبدلاً من إصلاحات أساسية في الاقتصادات الرأسمالية، كان هناك في أفضل الأحوال بعض الإصلاحات غير المتقنة حول الهوامش، وقد يغفر لنا صرف النظر عن أزمة السنتين الأخيرتين على أنها ليست أكثر من أزمة عابرة، والتطورات الأخيرة كمؤشر إلى عودة إلى الوضع الطبيعي السابق.
هل يوحي هذا التفاؤل المتجدد بأن الحديث عن تحول القوة الاقتصادية إلى الشرق سابق لأوانه؟ في حالة الصين على الأقل شهدت السنة الأخيرة أو حواليها تغيرات مهمة في واقع وتصورات دورها في الاقتصاد العالمي، التي لها دلالات بالنسبة لتوازن القوة العالمي.
أولاً: لقيت ثقة الصين بدورها الدولي بالنسبة للآخرين دفعة قوية، وجاء هذا إلى حد ما من توسلات المعلقين والسياسيين الغربيين بأن تفعل الصين شيئاً للمساعدة على إنقاذ الاقتصاد العالمي، حتى وإن كان هؤلاء قد بالغوا واقعياً في تأثير الصين، وستكون الذكرى السنوية الـ 60 المقبلة لتأسيس جمهورية الصين الشعبية فرصة طيبة لمعرفة كيف ترى القيادة الحالية بالضبط دور الصين العالمي.
ثانياً: إن كثيراً من الغضب حول التحولات للقوة الاقتصادية العالمية قد غزاه إحساس باليأس، أو حتى التراجع في الاقتصادات المتقدمة، ومع أن هذا اليأس يتلاشى فقد كان أثر الأزمة يتمثل في محو السلطة الأخلاقية لأمريكا والدول الأخرى لتقديم النصح للصين حول مسارها التنموي.
ثالثاً، أوضحت الأزمة للزعامة في بكين مدى اعتماد الصين المتبادل مع الاقتصاد العالمي وبخاصة اعتمادها السابق على الصادرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا. غير أن الأزمة عززت رغبة الصين في تعزيز العوامل الداخلية التي تحرك النمو، رغم أن القوى الاقتصادية العالمية تقلل من مجال المناورة المتاح لبكين. فقد أوضح رئيس الوزراء وين جياباو في الخطاب الذي وجهه إلى المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد الأسبوع الماضي في شمال شرق الصين مدى تركيز حزمة التحفيز الصينية على زيادة الطلب الداخلي إلى جانب تحقيق الأهداف السياسية الأوسع المتمثلة في تحسين مستويات المعيشة في أرجاء البلاد.
ومن المهم أيضاً أنه يبدو أن الاقتصاد الصيني خرج من الأزمة بشكل معقول. لقد تعرض هذا الاقتصاد لهزة حقيقية، وما زال هناك شك كبير بشأن استمرارية النمو الذي تحقق هذا العام بفضل عملية التحفيز. ولكن السوابق التاريخية، كالتعافي من الأزمة المالية الآسيوية التي حدثت في أواخر تسعينيات القرن الماضي توضح الطريق لبكين.
أين يترك هذا السؤالَ المتعلق بالتحولات في القوة العالمية؟ إنه يدل على أن الأزمة عجلت في استمرار بروز صين أقوى وأكثر ثقة، وأن العلاقة الآخذة في التطور بين الصين والاقتصاد العالمي ستقوم بصورة متزايدة على المصالح الصينية.
ولكن من المهم أيضاً أن نتذكر أن التحولات في القوة العالمية يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة، فبينما يؤكد البعض نهوض الصين، يحتفظ الآخرون بدور للولايات المتحدة التي ما زالت هي المهيمنة وذلك بالحديث عن مجموعة الاثنين التي يمكن أن تتشارك فيها واشنطن وبكين في قيادة العالم. وهناك حديث أيضاً عن إعادة ظهور أوسع لمنطقة شرق آسيا كمركز للاقتصاد العالمي أو حتى عن عقد آسيوي (متجاهلاً التنوع والتعقيدات الموجودة في آسيا، سمها ما شئت).
وسيحدث هناك تنافس أيضاً بين الاقتصادات الناشئة والمتطورة الأخرى على النفوذ وفقاً لما ستؤول إليه التحولات في القوة الاقتصادية والسياسية العالمية في السنوات المقبلة. وهذا يساعد على التأكيد أنه لا يوجد شيء حتمي بشأن تغير أنماط القوة: فلا يوجد شيء من قبيل «عندما تحكم الصين العالم». لكن القرائن الحالية تدل على أن التحول شرقاً سيكون لصالحنا لبعض الوقت.
