كنا أشرنا في كلمة الأمس إلى أننا ننظر إلى أن أيّ إسهام عربي في مجال علوم الفضاء ـ مهما كان حجمه ـ على أنه انتصار للعلوم الحديثة واقتصاديات المعرفة في الوطن العربي، الذي لا تزال خطواته دون المستوى المطلوب في ميدان البحث العلمي، خاصة في دول الخليج بوفوراتها المالية الكبيرة، سواء في مراحل الطفرة الاقتصادية الأولى أو فيما سواها.
وحتى لا يفهم خطأ أن ما أشرنا إليه أمس هو تقليل من جهودنا الوطنية في مجال أبحاث الفضاء نقول: إذا كانت بعض الدول العربية قد أطلقت أقمارها الصناعية أخيرا فقد سبقت المملكة في إطلاق عدد من الأقمار، وتستعد في غضون السنوات القليلة القادمة لإطلاق القمر (رقم 24) لأغراض البحث العلمي والدراسات الفضائية في مجالات متنوعة، وهذا الميدان تقوده مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، حيث حققت إنجازات واقعية في ميدان تصنيع الأقمار الصناعية تحظى باهتمام دولي يشرفنا جميعا.. أمام هذه المنجزات على أهميتها نعتقد أنها خطوة أولى، وتظل أقل من تطلعاتنا، والمملكة مازال لها حقوق الريادة التي تحتفظ بها على المستوى العربي منذ 25 عاما، إذ لا يزال الجهد العربي عموما في توظيف تقنيات الفضاء دون المأمول، وذلك بسبب ضعف المخصصات لهذا الباب، الذي بات يُشكل واحدا من أهم مصادر المعرفة التي تتحكم في معظم النشاط الإنساني بأدواته الحديثة، وإنفاق العالم العربي على الأبحاث العلمية لا يتجاوز (0.4%) من إجمالي الدخل القومي.
الآن وقد أصبح من الواضح أن المملكة تتجه إلى البحث العلمي بقوة، والملك عبد الله يضع هذا على قائمة أولوياتنا الوطنية، لإدراكه أنه المدخل الحقيقي لاقتصاد العصر الحديث الذي يقوم على المعرفة ومعطياتها، متجاوزا كل الأطر والحدود والجغرافيا. وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية التي نحن بصدد الاحتفاء بتدشينها قريبا، وبعالميتها البحثية تؤكد أننا أصبحنا على أعتاب مرحلة جديدة ومختلفة تأخذ فيها المعرفة زمام المبادرة في كافة مسائل التنمية الحديثة.
إن التوسع الكبير في الجامعات، الذي سوف يضيف رصيدا جديدا للبحث العلمي، كل هذا يؤسس إلى جانب مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية منظومة بحثية متكاملة. ولكي تنجح هذه التوجهات الحكومية فإنها تحتاج ما يكفي من (الدعم المالي) لبرامجها ومشاريعها، خاصة ما يتصل ببحوث الفضاء لتؤتي ثمارها كما ينبغي.
وكلنا نعرف نسبة ما تخصصه بعض الدول المتقدمة، وتلك الدول التي انخرطت أخيرا في مجال تقنيات الفضاء من ناتجها المحلي لأغراض البحث العلمي، في حين أننا لا نزال في أول الطريق، ولا يزال البحث العلمي يواجه الكثير من العقبات، وتحديدا فيما يتصل بالتمويل، ما أدى إلى هجرة الكثير من العقول العربية للغرب بحثا عن فرص علمية أفضل لإطلاق مواهبها واختبار أبحاثها في بيئات علمية منجزة.
إن دخولنا إلى نادي الفضاء بالقدر الذي نستحقه كوطن سجل لنفسه الريادة الفضائية عربيا وإسلاميا منذ ربع قرن، لا يُمكن أن يتأتى إلا بامتلاكنا مشروعا وطنيا واضح المعالم والغايات والأهداف، وممولا بدعم مالي قوي، بحيث تكون له بحوثه الخاصة، وتجاربه واختباراته التي يُمكن أن تتسع لتطلعات تلك العقول من الشباب الذين ينتظرون أن تكون لبرامجهم المحاضن العلمية القادرة على إطلاقها في عالم تتسارع خطواته بحدة لاستثمار الفضاء في خدمة كوكب الأرض.
والتجارب الدولية التي منحت كوريا الجنوبية الريادة في تطبيق تقنية المعلومات والاتصالات ذات الحزمة الواسعة .. أو سنغافورة والتقنيات البيولوجية العالية، أو حتى ماليزيا وتجربتها الرائدة مع مهاتير محمد، والذي نقلها من تصدير المطاط والقصدير والكاكاو إلى تصدير أنصاف النواقل والسلع الإلكترونية .. كل هذه التجارب وغيرها يجب أن تحرض المجموعة العربية والخليجية على وجه التحديد لاستثمار اقتصاداتها النفطية في بناء مستقبل يقوم على الإفادة من علوم وبحوث الفضاء، لفتح نافذة جديدة في تنويع مصادر الدخل أولا، ثم التأسيس لهذا العالم المعرفي الكبير الذي بدأ يخطف الاقتصاد لصالحه.
والملك عبد الله - حفظه الله - وضعنا أمام تحديات جديدة، وأبرز هذه التحديات ما يأتي في إطار تعزيز الإنجازات التي حققناها في السنوات الماضية في ميدان البناء المعرفي، والآن ومع إطلاق جامعة الملك عبد الله التي ستكون قاطرة البحث العلمي القادم الموجه لخدمة مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، نتطلع إلى أن تحظى الأبحاث العلمية بدعم حكومي إضافي للجامعات الجديدة، وكذلك دعم المشروع المتميز في معهد أبحاث الفضاء والطيران ليكون مشروعا وطنيا يكرس إنجازات الماضي ويطلق قاعدة علمية وطنية لأبحاث الفضاء والطيران، بالذات الآن مع توافر (الكوادر الوطنية) التي حققت سمعة عالمية في أبحاثها ومشاركاتها العلمية سواء في مدينة الملك عبد العزيز أو في الجامعات السعودية والمؤسسات الوطنية الأخرى مثل ''أرامكو'' و''سابك''.
