الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الذيول التي تهز كلب الكرملين

ألكسندر جولتس
الثلاثاء 15 سبتمبر 2009 0:40

ماذا لو تخيلنا أن شخصاً مهووساً يحاول تصوير نفسه وكأنه بارون روسي من القرن الـ 19. سيطلق ذلك الشخص سالفيه ويرتدي معطفاً طويلاً ويحمل عصا مشي. لابد أن كل من يصادف هذا المنظر سيهزأ به ويسخر منه. والآن فلنفترض أن الشخص المهووس نفسه حاول معاملة المارين كما لو كانوا أقناناً في أرضه. إذا أقدم على ذلك فإنه يجازف بتعريض نفسه للضرب، ولو أن بعض المتسولين قد يجارونه في أوهامه وضلالاته على أمل مخادعته والاستيلاء على ماله.

إن شيئاً من هذا القبيل يميز الآن العلاقات بين روسيا وعديد من الجمهوريات السوفياتية السابقة. ذلك أن مبدأ السياسة الخارجية الذي يسترشد به الكرملين اليوم هو في الواقع مزيج مناف للعقل من سياسات فرض الأمر الواقع التي كانت سائدة في القرن الـ 19 والسياسات الجغرافية السياسية التي سادت في أوائل القرن الـ 20. وطبقاً لوجهة النظر هذه فإن كل قوة عظمى تحتاج إلى بلدان مطيعة تدور في فلكها. وبموجب هذا التناول فإن توسع منظمة حلف شمال الأطلنطي يشكل امتداداً لمجال النفوذ الأمريكي، وذلك على حساب روسيا بطبيعة الحال.

لقد قررت روسيا، في محاولة للتعويض عن عقدة النقص المتنامية، تأسيس منظمة معاهدة الأمن الجماعي CSTO، والتي تشكل استناداً إلى اسمها ومبادئها المؤسسية محاكاة لمنظمة حلف شمال الأطلنطي. ولكل هذا فإن الكرملين لا يشعر بالحرج إزاء كون منظمة معاهدة الأمن الجماعي في الأساس عبارة عن رابط ميكانيكي يصل بين اتفاقيات عسكرية ثنائية بين بيلاروسيا، وأرمينيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وروسيا.

لا أحد يعرف على وجه اليقين رؤية الدفاع الجماعي التي تعتزم هذه المنظمة تبنيها: فالمرء يحتاج إلى مخيلة خصبة للغاية لكي يتصور جنود مظلات من بيلاروسيا يدافعون عن الحدود الطاجيكية، على سبيل المثال. فضلاً عن ذلك فإن الدساتير في عدد من بلدان منظمة معاهدة الأمن الجماعي تنص صراحة على حظر إرسال قوات إلى خارج الحدود الوطنية. ولكن قِصَر النظر الذي يعانيه الكرملين والذي يدفعه إلى التركيز على الأمور العسكرية، هذا فضلاً عن محاولاته العقيمة لممارسة لعبة المكسب والخسارة مع الغرب، كان من الأسباب التي حولت روسيا إلى هدف للتلاعب والاستغلال من جانب شركائها الصغار.

إن الفنان المبدع في فن الاستغلال في هذا السياق هو ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا. والواقع أن اقتصاد بيلاروسيا يعجز عن أداء وظيفته إذا توقفت روسيا عن دعم أسعار الطاقة وتخصيص المنح المالية التي لا تسترد والتي تقدمها إلى بيلاروسيا. ولكن على الرغم من كل هذا فإن لوكاشينكو ما زال ناجحاً في تجنب تنفيذ المشاريع الاقتصادية المربحة لروسيا (مثل العملة الموحدة). وكلما مارست روسيا ضغوطها فإنه يسارع إلى الصراخ والعويل حول ''جحود'' موسكو ـ زاعماً أن عشرة ملايين من أهل بيلاروسيا يوفرون الحماية لروسيا ضد دبابات حلف شمال الأطلنطي.

الأسوأ من ذلك أن روسيا كلما أصرت على مطالبها، سارع لوكاشينكو إلى إلغاء الاتفاقيات دون أي وخز من ضمير. لذا، فحين حظرت روسيا استيراد منتجات الألبان من بيلاروسيا (في محاولة لعقاب لوكاشينكو الذي قِـبَل قرضاً قيمته مليارا دولار ولكنه لم يف بتعهده بالاعتراف بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، رفض لوكاشينكو حضور قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو الانضمام إلى اتفاقيتها الجماعية بشأن تشكيل قوة رد عملياتية.

إن لوكاشينكو يتجنب الدخول في أي مشاريع تكاملية كبرى، وحتى مشاريع التكامل العسكري. وأوضح مثال على ذلك كان إنشاء نظام الدفاع الجوي المشترك. إن روسيا وبيلاروسيا تحاولان تنفيذ هذا المشروع منذ عشرة أعوام؛ ولقد تم تنفيذ اتفاقيات عديدة ـ على الورق فقط. ولكن حتى الآن لم يتخذ أي إجراء ملموس. إن لوكاشينكو ببساطة لا يعتزم السماح ولو لمجرد قسم صغير من جيشه بأن يصبح تابعاً لموسكو.

وفي حين أن التهديد العسكري في الغرب يبدو وهمياً كما هو بالفعل، فإن ذلك التهديد واضح وملموس. ففي حالة هزيمة قوات حلف شمال الأطلنطي في أفغانستان، ستغرق بلدان منطقة آسيا الوسطى في موجة من التطرف الإسلامي، الأمر الذي يعني اندلاع حروب أهلية في المنطقة. وبالنسبة لروسيا فإن هذا قد يعني (في أفضل الأحوال) عشرات الألوف من اللاجئين أو (على أسوأ الفروض) دخول المقاتلين المسلحين إلى أرضيها.

ونتيجة لهذا فإن الكرملين لديه مصلحة حيوية في نجاح حلف شمال الأطلنطي في أفغانستان. ولكن في الأعوام الأربعة الأخيرة حاولت روسيا عرقلة حلف شمال الأطلنطي بكل وسيلة ممكنة. ففي عام 2005، وأثناء القمة التي عقدتها منظمة شنغهاي للتعاون، مارس فلاديمير بوتن الضغوط لكي يفرض على البيان الختامي للقمة المطالبة بسحب القواعد الأمريكية من وسط آسيا. ويفسر المحللون الاستراتيجيون في الكرملين ذلك بأنهم يخشون أن الولايات المتحدة ستحاول طرد روسيا من آسيا الوسطى. ولكن الآن، وبعد الاتفاق الروسي - الأمريكي الذي يسمح لطائرات الإمداد المتجهة إلى أفغانستان بالمرور عبر المجال الجوي الروسي، فقد بات من الواضح أن روسيا كانت تسعى فقط إلى احتكار مسارات نقل المعدات العسكرية من أجل اكتساب القدرة على فرض نفوذها على الولايات المتحدة.

في شباط (فبراير) منح الكرملين الرئيس القيرغيزي كورمانبك باكييف خمسمائة مليون دولار في مقابل الوعد بإغلاق القاعدة الأمريكية في بلده. ثم عرضت أمريكا على باكييف 160 مليون دولار سنوياً، والآن قد لا تكون هناك قاعدة رسمية، ولكن هناك ''مركز عبور'' يؤدي الوظيفة نفسها. وهذا يعني أن الكرملين دفع مئات الملايين من الدولارات لكي يغير بعض العلامات فحسب.

وبعد فترة وجيزة، أرسلت روسيا نائب رئيس وزرائها إيجور سيشين ووزير دفاعها أناتولي سيديكوف إلى بيشكيك في محاولة لاسترداد أي شيء من الأموال الروسية. ويبدو أن باكييف قال: ''أنتم منزعجون إذن إزاء التواجد العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى، وتريدون التصدي لهذا التواجد. حسناً، سنسمح لأمريكا بقاعدة واحدة في قيرغيزستان، ولروسيا بقاعدتين.

غير أن هذه ''الأصول العسكرية'' هي في الواقع مجرد هراء استراتيجي، حيث إنها بنيت في منطقة أوش في قيرغيزستان، وهي المنطقة التي تكاد تكون بلا أي قانون يحكمها، حيث الفقر المدقع، وتجارة المخدرات، والتوترات العرقية. ولا شك أن الاستيلاء على قاعدة عسكرية روسية للحصول على الأسلحة قد يتحول في أغلب الظن إلى هدف عسكري حيوي بالنسبة للمتطرفين. ولكن الجنود الروس الموجودين هناك أصبحوا رهائن بالفعل على نحو أو آخر ـ ويرجع هذا جزئياً إلى إفلاس السياسة الخارجية التي ينتهجها الكرملين.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية